تتوالى مؤشرات القلق بشأن سلامة المنتجات الفلاحية المغربية، بعد تسجيل حالات متكررة لرفض شحنات من الخضر والفواكه في عدد من الدول، بسبب تجاوزات مرتبطة أساسا ببقايا المبيدات، لتعيد فتح ملف مسؤولية شركات الأسمدة والمبيدات، التي تتهم بشكل متزايد بتغذية نموذج فلاحي قائم على الإفراط في الكيماويات، دون مواكبة حقيقية لمخاطرها الصحية والبيئية.
خلال الأشهر الأخيرة، رصدت أنظمة المراقبة الأوروبية عدة إشعارات تخص منتجات مغربية، حيث تم تسجيل حالات رفض أو سحب شحنات بسبب احتوائها على نسب غير مسموح بها من المبيدات . وفي واقعة لافتة، أصدرت السلطات الإسبانية تحذيرا غذائيا بعد اكتشاف مستويات مرتفعة من المبيدات في شحنات خضر مستوردة من المغرب، بينما قامت ألمانيا بسحب شحنة فلفل مغربي بسبب تجاوز بقايا مبيد “أبامكتين” للحدود المسموح بها . كما سبق لعدة دول أوروبية أن أعادت شحنات مماثلة لنفس الأسباب، ما يعكس نمطا متكررا وليس حالات معزولة .
ورغم أن هذه الوقائع غالبا ما تواجه بتوضيحات رسمية تؤكد خضوع المنتجات للمراقبة، إلا أن تكرارها يطرح تساؤلات عميقة حول مصدر الخلل. فبين الحقول وسلاسل التصدير، يبدو أن حلقة استعمال المبيدات تظل الأكثر هشاشة، حيث تتجه أصابع الاتهام نحو شركات الأسمدة والمبيدات التي تغرق السوق بمنتجات، بعضها محظور في بلدان المنشأ نفسها.
في سياق متصل، كشفت تقارير دولية أن شركات أوروبية واصلت تصدير آلاف الأطنان من المبيدات المحظورة داخل الاتحاد الأوروبي إلى دول من بينها المغرب، رغم مخاطرها الصحية المؤكدة . هذا الواقع يطرح إشكالية أخلاقية مزدوجة: كيف يسمح بتسويق مواد ممنوعة في أوروبا داخل أسواق أقل صرامة؟ وأين تقف مسؤولية الشركات التي تروج لهذه المواد دون ضمان شروط استعمال آمن؟
في المقابل، يرى مهنيون أن جزءا من المسؤولية يقع أيضا على غياب التأطير الكافي للفلاحين، حيث يتم استعمال المبيدات أحيانا بشكل عشوائي أو بجرعات غير مضبوطة، ما يؤدي إلى تجاوز الحدود القصوى المسموح بها دوليا. غير أن هذا الطرح لا يعفي الشركات من دورها في توجيه السوق، خصوصًا في ظل تسويق مكثف لمنتجات كيميائية دون مواكبة تقنية كافية.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذه الاختلالات لا يهدد فقط صحة المستهلك، بل يضع سمعة الصادرات الفلاحية المغربية على المحك، خاصة في الأسواق الأوروبية التي تعتمد معايير صارمة ولا تتسامح مع أي تجاوز. وقد حذرت تقارير من أن تكرار حالات الرفض قد يؤدي إلى تشديد القيود على المنتجات المغربية، أو حتى فقدان أسواق استراتيجية .
في ظل هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى إعادة النظر في منظومة تسويق واستعمال المبيدات بالمغرب، عبر تشديد الرقابة على الشركات الموردة، ومنع دخول المواد المحظورة دوليًا، وربط الترخيص بالتزام فعلي بالتكوين والتأطير. كما يطالب فاعلون بضرورة تحميل الشركات مسؤولية تتبع منتجاتها من البيع إلى الاستعمال، بدل الاكتفاء بدور المزود.
في المحصلة، لم تعد قضية الشحنات المرفوضة مجرد حوادث معزولة، بل تحوّلت إلى جرس إنذار حقيقي يكشف اختلالات عميقة في سلسلة الإنتاج الفلاحي، من الحقل إلى التصدير. وبينما تتجه الأنظار إلى الفلاح كحلقة ضعيفة، تتصاعد الدعوات لمساءلة شركات الأسمدة والمبيدات التي ظلت، لسنوات، خارج دائرة المحاسبة الفعلية رغم تأثيرها المباشر على جودة المنتوج.
ومع تزايد تشدد الأسواق الدولية في معايير السلامة الصحية، يجد المغرب نفسه أمام اختبار حاسم: إما إعادة ضبط هذا القطاع بصرامة، أو المخاطرة بفقدان الثقة في صادراته الفلاحية. وفي انتظار قرارات حازمة، تبقى سمعة “المنتوج المغربي” معلقة بين ضرورة الإصلاح العاجل واستمرار منطق التساهل الذي لم يعد مقبولا في زمن المعايير الصارمة.
المصدر:
العمق