في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات على الصعيد العالمي بسبب تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد حدة الصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي، عاد ملف ترشيد استهلاك الطاقة إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، باعتباره أحد أبرز المفاتيح لمواجهة انعكاسات هذه الأزمة على الاقتصاد الوطني.
وتطرح هذه التطورات تحديات متزايدة أمام الدول المستوردة للطاقة، التي تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن توازن دقيق بين تأمين حاجياتها الطاقية والحفاظ على استقرار أسعارها الداخلية، في سياق دولي يتسم بعدم اليقين وتقلبات حادة في الأسواق.
ولم يعد هذا الموضوع مقتصرا على الجوانب التقنية أو البيئية فحسب، بل تحول إلى رهان استراتيجي يرتبط بالأمن الطاقي والاستقرار الاقتصادي، خاصة بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، التي تجد نفسها مطالبة بإيجاد حلول عملية للتخفيف من التبعية الخارجية وتقليص فاتورة الواردات الطاقية، حيث تتجه العديد من الدول إلى اعتماد سياسات متعددة الأبعاد تجمع بين ترشيد الاستهلاك وتعزيز النجاعة الطاقية والاستثمار في الطاقات المتجددة، وذلك في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين تلبية الحاجيات المتزايدة للطاقة وضمان استدامة الموارد.
إجراءات عاجلة لترشيد الطاقة
وفي هذات الصدد دعا الخبير في الطاقات المتجددة، محمد بوحاميدي، إلى اعتماد مقاربة عملية ومستعجلة لترشيد استهلاك الطاقة بالمغرب، تقوم على إجراءات ذكية لا تمس بجودة حياة المواطنين أو سلامتهم، بل تسعى إلى تحسين النجاعة الطاقية وتقليص الهدر في مختلف القطاعات.
وأكد بوحاميدي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن السلطات المحلية يمكنها تبني نظام ذكي لتدبير الإنارة العمومية، عبر تخفيض شدة الإضاءة خلال ساعات الليل المتأخرة في المناطق ذات الكثافة المنخفضة، بدل اللجوء إلى الإطفاء الكلي الذي قد ينعكس سلبا على السلامة الطرقية والأمن العام، مشددًا على أهمية تعميم مصابيح LED وأنظمة الاستشعار الذكية لما توفره من اقتصاد مهم في استهلاك الكهرباء.
تخفيف الضغط على استهلاك الوقود
وأضاف الخبير أن ترشيد استهلاك الطاقة يمر أيضًا عبر تعزيز النقل العمومي وتشجيع حلول التنقل المشترك، إلى جانب اعتماد تنظيم مرن لأوقات العمل والدراسة، بما يخفف الضغط على استهلاك الوقود خلال فترات الذروة. كما شدد على ضرورة فرض إجراءات صارمة داخل الإدارات والمؤسسات، تشمل إطفاء التجهيزات غير المستعملة، والاعتماد على الرقمنة لتقليص التنقلات، وتحسين النجاعة الطاقية للبنايات، بما يساهم في خفض الاستهلاك بشكل ملموس.
وعلى المدى المتوسط والبعيد، أبرز بوحاميدي أن الرهان الاستراتيجي يكمن في تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، من خلال تعميم الألواح الكهروضوئية فوق الأسطح، وتشجيع استعمال السخانات الشمسية، وتطوير حلول الطاقة المستقلة في العالم القروي.
وخلص إلى أن المغرب يتوفر على مؤهلات كبيرة تؤهله ليكون نموذجًا في الانتقال الطاقي، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينًا بإرادة جماعية وتعبئة شاملة لكافة الفاعلين، من مؤسسات ومقاولات ومواطنين.
وكانت مصر قد اتخذت خلال الفترة الأخيرة حزمة من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، شملت تقليص إنارة الشوارع والميادين العمومية خلال ساعات متأخرة من الليل وتقليص استهلاك الكهرباء في المرافق الكبرى مثل المراكز التجارية والقاعات الكبرى.
كما لجأت السلطات المصرية إلى تعديل مواعيد إغلاق المحلات التجارية، وتشجيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، في إطار خطة شاملة تهدف إلى تقليل الضغط على الشبكة الكهربائية، بما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني في ظل الظرفية الدولية الراهنة.
المصدر:
العمق