على تخوم الحدود المغربية الجزائرية، وتحديدا في منطقة “بين لجراف” القريبة من مدينة السعيدية، تتجلى مفارقة غريبة لكنها مؤثرة؛ غياب كامل للدبلوماسية الرسمية منذ إغلاق الحدود البرية عام 1994، مقابل حضور ثقافي ينبض بالحياة ويكسر الصمت بطريقة رمزية.
هنا، يأتي المغاربة والجزائريون إلى هذه النقطة الحدودية ليس للتجارة أو للمفاوضات السياسية، بل للوقوف على خط الحدود والتقاط الصور وتسجيل مقاطع الفيديو، بينما يعزف على الجانب المغربي أعضاء فرقة “الشيوخ” الفلكلورية، ليضيفوا للمكان بعدا تراثيا وصوتيا يربط بين ضفتي الحدود ويذكر الزائرين بعمق الروابط التاريخية والثقافية التي تجمعهما.
وتتميز منطقة “بين لجراف” بكونها فضاء مفتوحا يسمح للزوار بالاقتراب من الحدود دون قيود مشددة، ما يجعلها مكانا مثاليا لتوثيق اللحظات، سواء بالصور التذكارية أو مقاطع الفيديو التي تنقل تجربة الحدود إلى الجمهور الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي هذه النقطة الحدودية، يظهر أعضاء فرقة “الشيوخ” بملابسهم التقليدية البيضاء وعماماتهم البسيطة، حاملين أدواتهم الموسيقية مثل “البندير” و”القصبة”، ليعزفوا ألحانا تراثية مستمدة من إرث جهة الشرق التي طالما ارتبطت بالحدود الجزائرية. هذه الموسيقى الشعبية تعكس حياة البادية وتقاليدها، وتعيد إلى الأذهان زمنا كانت فيه الحدود مجرد خطوط على الخريطة، لا حواجز تفصل بين شعوب متقاربة في الثقافة والتاريخ.
ويقول عبد الرحمن الزاوي (اسم مستعار)، قائد فرقة “الشيوخ”، في حديثه لجريدة “العمق”: “نحن هنا لإحياء التراث، لا للترويج لأي فكرة سياسية. لكن وجودنا على هذا الشريط الحدودي يذكر الجميع بأن الثقافة والفن يمكن أن تتجاوز الحدود الرسمية. الأغاني والألحان التي نعزفها تتحدث عن الأرض والحب والحنين، وكل من يسمعها يشعر بنفس الانتماء، سواء من الجانب المغربي أو الجزائري”.
وعلى الجانب الجزائري، يقف الزوار عند السياج الحديدي الحدودي، يلتقطون الصور ومقاطع الفيديو، ويتفاعلون مع الموسيقى التي تتصاعد من الجانب المغربي، في مشهد يحمل بعدا إنسانيا ورمزيا أكثر من كونه مجرد نشاط ترفيهي. هذا المشهد الصامت، مع تكرار زيارات عشرات الزوار من الجانبين على مدار السنة، يبرز قدرة الفن على ملء الفراغ الدبلوماسي وخلق نوع من التواصل الرمزي الذي تتعثر فيه السياسة الرسمية.
ويشير متابعون إلى أن الشباب يشكلون غالبية الزوار، الذين يوثقون رحلاتهم وينشرونها على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يضاعف تأثير الموسيقى والفلكلور المحلي، ويحولها إلى ما يمكن تسميته “دبلوماسية ثقافية شعبية” تحافظ على التواصل بين الشعبين، رغم إغلاق الحدود الرسمي منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وتكشف هذه الظاهرة عن عمق الروابط الإنسانية بين المغاربة والجزائريين، حيث تظل الذاكرة المشتركة حية، ويستمر الناس في التعبير عن انتمائهم من خلال التراث والفن، في لفتة إنسانية تتجاوز أي بيان رسمي.
وفي هذا الصدد، يقول يحيى، وهو شاب من مدينة أحفير المحاذية للحدود الجزائرية: “قد تكون الحدود مغلقة، لكن الموسيقى هنا تجعلنا نشعر أننا قريبون من أشقائنا في الجزائر، وهذا هو الأهم”.
وفي هذا السياق، يظهر “الشيوخ” كحملة للتراث، ليس فقط كفناني أداء، بل كوسطاء رمزيين يحافظون على خط التواصل بين الجانبين. فالألحان التقليدية والأزياء التراثية ليست مجرد مشاهد للصور أو الفيديوهات، بل هي رسالة صامتة تقول إن التراث والثقافة يجمعان أكثر مما تفرق السياسة، وأن الإنسان يمكنه عبر الفن أن يختصر المسافات ويعبر عن شعور الانتماء المشترك بطريقة أقوى من أي خطاب رسمي.
ومع انقضاء كل يوم، يعود الزوار إلى منازلهم محملين بصورهم ومقاطع الفيديو، بينما يواصل “الشيوخ” عزف ألحانهم الهادئة، وكأنهم يرسلون إشارة مفادها أن الانتماء المشترك لا يزال حيا، وأن الحدود على الخريطة لم تستطع يوما أن تفصل القلوب.
لتظل منطقة “بين لجراف” شاهدة على أن الثقافة والفن هما لغة تواصل حقيقية، تفوق أي خطاب رسمي، وتُذكّر الجميع بأن التراث قادر على صيانة الرابط الإنسانية في أصعب الظروف، وأنه يظل الجسر الأقوى بين الشعوب حين تعجز السياسة عن القيام بمهمتها.
المصدر:
العمق