آخر الأخبار

من الحقول إلى الموائد.. طماطم المغرب ترسم قواعد المنافسة بالسوق الأوروبية

شارك

في أسواق الخضر والفواكه في أوروبا، سواء في إسبانيا أو فرنسا أو غيرهما، لم تعد الطماطم المغربية مجرد منتج استهلاكي عادي على موائد الأسر الأوروبية، بل تحولت إلى محور نقاش اقتصادي، بل وحتى سياسي أحيانًا، خاصة بعدما استطاع هذا المنتج المغربي، إلى جانب منتجات أخرى تنتجها حقول سهول “سوس” و”سايس” و”اللوكوس”، أن يفرض حضوره بقوة داخل الأسواق الأوروبية، مستفيدًا من امتياز الجودة والموقع الجغرافي للمملكة، إضافة إلى الاتفاقيات التجارية التي تربط الرباط وبروكسل ومجموعة أخرى من الدول خارج الاتحاد الأوروبي.

في هذا الصدد تشير بيانات صادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” إلى أن المغرب استحوذ لوحده، وإلى غاية نهاية سنة 2025، على حوالي 70,6 في المائة من واردات الدول الأوروبية من الطماطم من دول خارج الاتحاد الأوروبي، فيما نما حجم ما استوردته الدول الأعضاء في هذا الأخير من الطماطم مغربية المنشأ ما بين سنتي 2014 و2023 بأكثر من 42 في المائة.

وحسب بيانات المصدر ذاته استوردت دول الاتحاد الأوروبي خلال شهري يناير وفبراير الماضيين ما مجموعه أكثر من 37 ألف طن من الطماطم المغربية، ما يقارب 27 ألف طن منها اشترتها كل من فرنسا وإسبانيا.

جودة مغربية والتزام صحي

هذا الحضور المتزايد للطماطم المغربية في رفوف مختلف الأسواق الأوروبية، من مدريد إلى باريس وصولًا إلى لندن، لم يأتِ من فراغ، بل هو “نتيجة التزام المنتجين والمصدرين المغاربة بمعايير الجودة وملاءمة هذه المعايير مع آليات العمل الأوروبية ذات الصلة”، يقول الخبير الفلاحي رياض أوحتيتا، الذي شدد على أن “السمعة الطيبة للفلاحة المغربية والقرب الجغرافي للمملكة من أوروبا منحاها ميزة تنافسية حاسمة أمام منافسين دوليين كثر، ومكّن المنتج المغربي، وعلى رأسه الطماطم، من الوصول إلى أسواق غير تقليدية كالسوقين البريطاني والإسكندنافي”.

ويضيف أوحتيتا، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “المغرب أثبت مكانته في سوق الخضر الأوروبية رغم بروز قوى زراعية إفريقية منافسة، كموريتانيا والسنغال ودول أخرى تضع نصب أعينها السوق الأوروبية”، مؤكدًا أن “استمرار هذه الريادة المغربية رهين بتطوير أنظمة مراقبة التصدير، وتحديث آليات تتبع سلاسل الإمداد، وكذا إجراء دراسات معمقة لأنماط الاستهلاك المحلي”.

ويُجمع أغلب المتتبعين للشأن الفلاحي في أوروبا على أن سر تنافسية الطماطم المغربية، بل وتفضيلها من جانب المستهلك الأوروبي حتى على المنتج المحلي، يكمن أساسًا في انخفاض تكلفة الإنتاج في المغرب وتوفر يد عاملة أقل تكلفة مقارنة بنظيرتها الأوروبية، ما يسمح بتسويق المنتج بأسعار جذابة دون التخلي عن معايير الجودة المطلوبة.

كلام لا يتفق عليه سرحان لحرش، مستثمر فلاحي، الرئيس المدير العام لمجموعة “أجيدا” الفلاحية، الذي أكد أن “ما يروج له بعض الفاعلين الأوروبيين بشأن انخفاض تكلفة الإنتاج في المغرب هو مغالطات تفتقر إلى الواقعية، ذلك أن الفلاح المغربي اليوم، شأنه شأن باقي الفلاحين في العالم، بات مرتهنًا لتقلبات الأسواق العالمية في تأمين مدخلات الإنتاج”، موضحًا أن “هذا الخطاب يتجاهل الاستثمارات الضخمة التي يضخها المنتجون المغاربة في التكنولوجيا الزراعية وأنظمة الري الحديثة والرقمنة لضمان استمرارية الإنتاج في ظل التغيرات المناخية”.

إلى ذلك شدد الفاعل المهني ذاته على أن “التفوق النوعي للخضر والفواكه المغربية، وعلى رأسها الطماطم، سواء في سوق الاتحاد الأوروبي أو خارجه، لم يُبْنَ على قاعدة السعر الأرخص، بل على الجودة والالتزام الصارم بالمعايير الصحية والبيئية، خاصة أن البقاء في السوق اليوم لم يعد متاحًا لمن ينتج بتكلفة أقل، بل لمن ينتج بجودة أعلى واستدامة أكبر؛ وهي المعادلة التي نجحت الفلاحة المغربية في فك شفرتها”.

غضب أوروبي وضرورة استهلاكية

على الضفة الأوروبية يقابل هذا التفوق المغربي بردود فعل غاضبة من المزارعين الأوروبيين، خاصة في فرنسا وإسبانيا، الذين يشتكون من ارتفاع تكاليف الإنتاج واليد العاملة وما يعتبروها “منافسة غير عادلة” من الطماطم المغربية، ما تمخضت عنه تحركات احتجاجية تطالب بمراجعة شروط الاستيراد من المغرب، بل وصل الأمر إلى اعتراض سبيل الشاحنات المغربية المحملة بالطماطم وتفريغ حمولاتها والاعتداء على سائقيها في الطرق الأوروبية، مثلما حدث أوائل فبراير من العام 2024 على الطريق الرابط بين مدينتي إشبيلية وقادس الإسبانيين.

وتتزعم رابطة منظمات المزارعين ومربي الماشية (COAG) ومنظمات مهنية إسبانية أخرى الحملة ضد الطماطم المغربية، التي تقول إنها “تضر بالإنتاج المحلي ولا تحترم معايير السلامة الصحية الأوروبية”، وقادت احتجاجات انتقدت من خلالها سياسة بروكسل والحصص والتفضيلات الجمركية التي تستفيد منها الطماطم المغربية، “ما يهدد استدامة الزراعة المحلية ويجعل من الصعب على المزارعين تغطية تكاليف الإنتاج العالية، بما في ذلك اليد العاملة والطاقة والأسمدة”، وفقها.

وطالبت هيئات مهنية أوروبية في إسبانيا وفرنسا السلطات في بروكسل بتقييد وصول الطماطم المغربية إلى الأسواق الأوروبية ومراجعة الاتفاقيات التجارية الموقعة مع المغرب في هذا الشأن، فيما لم تعد تقتصر هذه “التحرشات التجارية” على الاحتجاجات والبيانات فقط، بل امتدت إلى حملات إعلامية تتحدث باستمرار عن كون الطماطم مغربية المنشأ “غير آمنة صحيًا”، رغم التأكيدات المتكررة من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) على سلامة مسار إنتاج وتصدير الطماطم وصرامة المنظومة الوطنية للمراقبة.

وتشير معطيات رسمية كشفت عنها وزارة الاقتصاد الإسبانية إلى أن مدريد استوردت في الفترة ما بين يناير وأكتوبر من العام الماضي أكثر من 65 ألف طن من الطماطم المغربية، بزيادة سنوية ناهزت 54 في المائة، فيما بلغت الواردات الإجمالية لإسبانيا خلال الموسم الفلاحي 2025-2024 أكثر من 522 ألف طن، وهو ما جعل المغرب في قائمة كبار مصدري الطماطم إلى إسبانيا بالتزامن مع انخفاض واردات الأخيرة من دول منافسة كهولندا.

وفي فرنسا يستهلك المواطنون أكثر من 700 ألف طن من الطماطم سنويًا، فيما لا يتجاوز إنتاجها المحلي السنوي حوالي 480 ألف طن، ما يبرر استيراد هذا المنتج الفلاحي من المغرب، خاصة الطماطم الكرزية التي استحوذت على ما نسبته 40 في المائة من المشتريات الفرنسية من الطماطم في العامين الماضيين.

في هذا الصدد أكدت وزارة الزراعة والسيادة الغذائية الفرنسية، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة في الجمعية الوطنية ستيفاني جالزي، حول “تأثير منافسة الطماطم المغربية على المنتجين الفرنسيين”، أن “عدم كفاية الإنتاج الوطني من الطماطم لتغطية الاستهلاك الداخلي يدفع نحو الاستيراد”، مبرزة أن “الاتفاقية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في 2012 بشأن إجراءات التحرير التجاري المتبادل، خصوصًا للمنتجات الزراعية، تستثني سلسلة من المنتجات الحساسة، بما في ذلك الطماطم، من التحرير الكامل للتجارة”، وزادت: “على وجه الخصوص تخضع واردات الطماطم الطازجة من المغرب لنظام حصص جمركية وأسعار دخول دنيا ورسوم جمركية محددة، إذ يستفيد الاتحاد الأوروبي بشكل أوسع من مزايا هذا الاتفاق”.

وأضافت الوزارة ذاتها، في جوابها المؤرخ في 6 يناير الماضي، أن “باريس تولي اهتمامًا كبيرًا لديناميكيات واردات الطماطم المغربية وللتأثيرات المحتملة على القطاع في فرنسا، لضمان ألا تهدد هذه الواردات تطويره أو استدامته”، مردفة: “ومع ذلك يتمتع المنتجون المغاربة بظروف إنتاجية مواتية تمكنهم من عرض منتجاتهم في السوق الأوروبية بأسعار تنافسية جدًا، حتى خلال موسم الإنتاج الفرنسي في الصيف”.

وتابع الجواب بأن “المهنيين الفرنسيين سعوا إلى التوصل إلى حل مع نظرائهم المغاربة يأخذ بعين الاعتبار قيود الطرفين ويلبي توقعاتهما من خلال إجراءات ملموسة”، وواصل: “دعمت وزيرة الزراعة هذا الحل، الذي يبدو قادرًا على إقامة علاقة مثمرة ومفيدة للطرفين ضمن إطار علاقة ثنائية قوية بين فرنسا والمغرب، خصوصًا في القطاع الزراعي”.

وفي سياق متصل ذكرت المفوضية الأوروبية في توضيحات أرسلتها إلى “مجموعة الوطنيين من أجل أوروبا” في البرلمان الأوروبي، حول نظام أسعار دخول الطماطم المغربية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، أن “استيراد الطماطم الطازجة إلى الاتحاد الأوروبي من المغرب يخضع للاتفاق الثنائي لعام 2012 بشأن إجراءات التحرير المتبادلة للمنتجات الزراعية، الذي ينص، من بين أمور أخرى، على سعر دخول تفضيلي مخفض من أكتوبر إلى مايو بقيمة 0.461 يورو للكيلوغرام”.

وأشارت المفوضية إلى أن “الإحصاءات التجارية كشفت أن متوسط قيمة الوحدة المستوردة للطماطم الطازجة من المغرب في تزايد، وقد وصل مؤخرًا إلى 1.85 يورو للكيلوغرام”، وأضافت: “في إطار النظام الحالي يتم تخليص الطماطم عبر الجمارك استنادًا إلى سعر الفاتورة، إذا كان متاحًا، أو القيمة الاستيرادية المعيارية (SIV) التي تنشرها المفوضية”.

اتفاق تجاري وأمن غذائي

وعاد النقاش حول الطماطم المغربية ليطفو على الساحة الأوروبية بلبوس سياسي هذه المرة، خاصة بعد توقيع الرباط وبروكسل في بداية أكتوبر الماضي على تبادل الرسائل المعدلة للاتفاق الفلاحي الموقع بين الطرفين، الذي نص على استفادة المنتجات الفلاحية القادمة من الأقاليم الجنوبية من شروط الولوج التفضيلي نفسها للسوق الأوروبية التي تتمتع بها المنتجات القادمة من باقي مناطق المملكة.

واستغلت هيئات مهنية في أوروبا التوقيع على هذا الاتفاق الجديد لتصعيد الانتقادات الموجهة لدخول الخضر والفواكه، وعلى رأسها الطماطم، إلى الأسواق الأوروبية، إذ اعتبر الاتحاد الإسباني لجمعيات منتجي ومصدري الفاكهة والخضراوات (Fepex) أن “هذا الاتفاق يفرز غياب التنافسية ويضع المنتجات الفلاحية الإسبانية في وضعية غير متكافئة”، مشيرًا إلى أن “المنتجين الإسبان يضطرون إلى مواجهة حد أدنى للأجور يبلغ 9.74 يورو للساعة، مقارنة بالمغرب، ما يؤثر على الإنتاج، ليس فقط في إسبانيا بل في دول أخرى كإيطاليا وبولندا”.

من جهتها اعتبرت الجمعية الوطنية لمنظمات المنتجين “طماطم وخيار فرنسا”، تعليقا على الاتفاق، أن “المفوضية الأوروبية ترفض الاستماع إلى مطالب المزارعين الذين يشتكون من ارتفاع الواردات التي زادت بأكثر من النصف في العقد الأخير”، داعية ضمن بيان لها بروكسل إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم قطاع إنتاج الطماطم الأوروبي، ومواجهة ما تصفه بـ”إغراق الأسواق الأوروبية بالطماطم المغربية”.

وفي وقت تتزايد أصوات المنتجين الأوروبيين المطالبة بحماية حصتهم السوقية يعود سرحان الحرش، مستثمر فلاحي، ليؤكد أن “المنتجين الأوروبيين، رغم الدعم الكبير الذي يحصلون عليه من حكوماتهم والاتحاد الأوروبي، لا يستطيعون منافسة جودة منتجاتنا المغربية، فيما يميل المستهلك الأوروبي نفسه إلى الجودة”، مشددًا على أن “تحميل الطماطم المغربية مسؤولية الأزمة يخفي مشكلات أعمق داخل الزراعة الأوروبية”.

وأضاف المتحدث ذاته، في حديث مع هسبريس، أن “المغرب والاتحاد الأوروبي شريكان إستراتيجيان، إذ تساهم المملكة من خلال صادراتها الفلاحية في ضمان الأمن الغذائي الأوروبي، ما يجعل من الصعب على أوروبا التخلي عن المنتجات المغربية، والأمر ذاته بالنسبة للمنتجين والمصدرين المغاربة الذين تعد السوق الأوروبية ذات أهمية بالنسبة لهم”، موردا أن “الاتفاق الفلاحي الجديد بين الجانبين سيساهم في وصول خضر الصحراء المغربية، ومنها الطماطم الكزرية، إلى المزيد من الأسواق”.

وسبق لمنتجين ومصدرين مغاربة، في تصريحات متطابقة لهسبريس، أن هددوا بمقاطعة الأسواق الأوروبية قبيل ارتفاع حدة الاستهداف التي طال المنتجات المغربية، وخاصة الطماطم، في هذه الأسواق، مشددين على أهمية تنويع أسواق التصدير خارج سوق الاتحاد الأوروبي على أهميته، خاصة في اتجاه دول الخليج والدول الإسكندنافية وبريطانيا، هذه الأخيرة التي برزت فيها مؤخرًا دعوات برلمانية إلى إلغاء الحصص والتعريفات الجمركية التي تطبقها لندن على المنتجات المغربية، وهي الرسوم ذاتها التي وصفها اللورد دانييل إنان بـ”السخيفة والموروثة عن الاتحاد الأوروبي”.

وتشجيعًا لهذا التوجه أقرت الحكومة المغربية هذا الشهر دعمًا ماليًا جديدًا لتصدير الطماطم الطرية خارج دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وإفريقيا بمبلغ 750 درهمًا للطن الواحد، ما سيساهم في فتح آفاق جديدة للفلاحة الوطنية، بما يعزز تنافسيتها ويضمن وصولها إلى مختلف الأسواق العالمية.

وفي هذا سياق يبدو أن الخضر المغربية، وحديثنا هنا تحديدًا عن الطماطم، التي يُنظر إليها من طرف المزارعين الأوروبيين على أنها “تهديد”، تمثل، في سياق الأزمات الدولية والتقلبات المناخية وتسارع الدول إلى ضمان أمنها الغذائي وإقامة شراكات إستراتيجية مع الدول المنتجة، جزءًا من منظومة التكامل الغذائي وكذا الاقتصادي بين ضفتي المتوسط، فأوروبا تضمن إمدادات مستقرة على مدار السنة، والمستهلك الأوروبي يحصل على منتج ذي جودة بأسعار معقولة، بينما يستفيد المغرب من سوق ضخمة، منظمة، مستقرة وقريبة جغرافيا.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا