رسخ المغرب، خلال السنوات الأخيرة، موقعه كمنصة صناعية وتصديرية صاعدة على المستويين الإفريقي والدولي، مدفوعا بتطور لافت في عدد من القطاعات الاستراتيجية، على رأسها الطيران والصناعات الغذائية والتعهيد والخدمات الرقمية. وتبرز المؤشرات الاقتصادية أن هذا التحول لم يعد ظرفيا، بل يستند إلى منظومات صناعية مهيكلة، وسياسات عمومية إرادية، ومناخ أعمال جاذب للاستثمار.
تضطلع الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (AMDIE) بدور محوري في مواكبة المقاولات المغربية نحو ولوج الأسواق الدولية، من خلال مقاربة شمولية تواكب الاستثمار داخل المغرب وتمتد إلى مراحل التصدير والتسويق الخارجي.
وتعتمد الوكالة التي يقودها علي صديقي في تدخلاتها على تعبئة مختلف الآليات المؤسساتية والمالية والعملياتية، بما يضمن رفع تنافسية النسيج المقاولاتي الوطني وتعزيز قدرته على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية
قطاع الطيران.. منظومة صناعية عالية القيمة المضافة
أضحى قطاع الطيران أحد أبرز قصص النجاح الصناعي بالمغرب، حيث تجاوزت عائدات التصدير ملياري دولار سنة 2023، أي ضعف ما تم تحقيقه سنة 2014، مع استمرار المنحى التصاعدي خلال 2024. ويعكس هذا الأداء صلابة المنظومة الصناعية الوطنية للطيران، التي تضم حاليا 146 شركة معتمدة، من بينها فاعلون دوليون كبار مثل إيرباص وبوينغ وسافران وكولينز أيروسبيس وبرات آند ويتني.
ويستند هذا التموقع إلى ارتفاع معدل الاندماج المحلي من 17 في المائة سنة 2014 إلى حوالي 40 في المائة سنة 2023، بفضل تطوير أنشطة ذات قيمة مضافة عالية، تشمل الأجزاء المركبة ومكونات المحركات وأنظمة الهبوط والميكانيك الدقيق. كما يوفر القطاع أكثر من 21 ألف منصب شغل مباشر، تشغل النساء نحو 40 في المائة منها، مدعوما بمنظومة تكوين متخصصة عبر معاهد وجامعات تستجيب لحاجيات المصنعين.
الصناعات الغذائية.. رافعة للسيادة الغذائية والتصدير
تمثل الصناعات الغذائية ركيزة أساسية في النسيج الإنتاجي الوطني، بمساهمة تبلغ 7 في المائة من الناتج الداخلي الخام و23 في المائة من الناتج الصناعي. ويضم القطاع قرابة 2000 مقاولة، تشغل أكثر من 206 آلاف شخص، محققا نموا متوسطا يناهز 6 في المائة سنويا خلال العقد الأخير.
ورغم الصدمات المرتبطة بالجائحة والتضخم والإجهاد المائي، حافظ القطاع على توازنه، وسجلت صادراته أزيد من 43 مليار درهم، تقودها المنتجات البحرية والفلاحية. غير أن تحديات الاندماج الصناعي والتبعية للمدخلات المستوردة تظل قائمة، ما دفع السلطات إلى تعزيز سياسات إحلال الواردات، ودعم الابتكار، والترويج لعلامة “صنع في المغرب”كرافعة للتنافسية.
وتشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق نمو تصديري إضافي بقيمة 15 مليار درهم في أفق 2030، مع إمكانية إحلال واردات تصل إلى 18 مليار درهم، وفق دراسات مهنية، مدعومة بعقود لإنعاش الصادرات وتفعيل مراكز البحث والتطوير.
التصدير.. مواكبة مؤسساتية وتموقع دولي
تلعب الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات دورا محوريا في مواكبة المقاولات نحو الأسواق الدولية، عبر تدخل متكامل يبدأ من جذب الاستثمار وينتهي بالتسويق الخارجي. وتستند هذه المقاربة إلى ميثاق الاستثمار، الذي يوفر تحفيزات مالية مهمة، وعلامة “EXPORT MOROCCO NOW” الهادف إلى تعزيز القدرات التصديرية للمقاولات، خاصة في مجالات الذكاء الاقتصادي والولوج إلى شبكات التوزيع الدولية.
وتحظى الصناعات الغذائية باهتمام خاص، إلى جانب تثمين المنتجات المحلية والعضوية، في إطار علامة “Morocco Now” التي تسعى إلى تعزيز صورة المغرب كمنصة صناعية وتصديرية موثوقة، مستفيدة من شبكة واسعة لاتفاقيات التبادل الحر تتيح الولوج التفضيلي لأكثر من 2.5 مليار مستهلك.
يفرض المغرب نفسه أيضا كفاعل رئيسي في مجال التعهيد والخدمات الرقمية، بفضل نضج رقمي متقدم، وبنية اتصالات قوية، وموارد بشرية متعددة اللغات. ويضم القطاع أكثر من 1200 مقاولة، و148 ألف منصب شغل مباشر، مع رقم معاملات تصديري بلغ 26.2 مليار درهم سنة 2024.
وفي حصيلة تدخلاتها، تواكب الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات أزيد من 450 مقاولة وتعاونية، من خلال تحديد إمكانات تصديرية غير مستغلة تقدر بنحو 120 مليار درهم، موزعة على أكثر من 1.200 ثنائي (منتج–سوق). وتعتمد الوكالة في ذلك على إجراءات عملية تشمل المشاركة في المعارض الدولية، وتنظيم لقاءات الأعمال الثنائية (B2B)، وبرامج التكوين في مجال التصدير.
وتسهم هذه الدينامية في بروز قصص نجاح مغربية، سواء في القطاعات التقليدية أو في الصناعات المتطورة، بما يعزز مكانة المغرب كفاعل اقتصادي قادر على الاندماج المستدام والفعال في سلاسل القيمة العالمية
وبعد هيمنة أنشطة مراكز الاتصال، يشهد القطاع تحولا نوعيا نحو خدمات ذات قيمة مضافة عالية، تشمل تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، مدعوما باستثمارات دولية كبرى واستراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تروم تكوين 100 ألف شاب سنويا وخلق 130 ألف منصب شغل في أفق 2030.
تعكس هذه المؤشرات مجتمعة تحولا هيكليا في الاقتصاد المغربي، قوامه التنويع القطاعي، والرفع من القيمة المضافة، وتعزيز التموقع الدولي. وبينما تتعزز دينامية الاستثمار والتصدير، يراهن المغرب على ترسيخ موقعه كمنصة صناعية ورقمية إقليمية، قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية وتحقيق نمو مستدام وشامل.
المصدر:
العمق