آخر الأخبار

"هامنت".. فاجعة إنسانية تتحول إلى مقاربة جمالية لأسئلة الحياة والموت

شارك

كثيرة هي الأفلام التي أسعفتها الجوائز وأنصفتها بشكل كبير، ومنها فيلم “هامنت” الحائز على جائزة أفضل ممثلة لجيسي باكلي، في جوائز الأوسكار، النسخة 98 (مارس 2026).

في فيلم Hamnet، لا تبدأ الحكاية من الحدث، وإنما من الرجفة الخفية التي تسكن الروح قبل أن تتحول إلى مأساة. تفتح الكاميرا نافذة على عالم يبدو هادئًا مثل صباح ريفي، لكن في عمقه يتشكل قدر ثقيل يشبه الغيم البعيد. هناك، بين الطين والضوء وذاكرة المطر، تقف أغنيس التي تجسدها Jessie Buckley كأنها امرأة خرجت من قلب الأرض لتشهد سر الفقدان والغياب، بسؤال: كيف يمكن للحياة أن تستمر بعد أن يغيب طفل؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى بيت يسكنه الغياب؟ وهل يستطيع الإنسان أن يترجم حزنه بلغة لا تكسر قلبه من جديد؟ في هذا العالم المتشظي بين الأم والأب والطفل، يصبح الحزن بطل الحكاية، ويغدو الصمت لغة كاملة للروح. تقول أغنيس في لحظة انكسار شفافة: «كنت أظن أن الأرض تحمينا جميعًا، لكن الأرض نفسها تأخذ أبناءنا». ومن هذا السؤال المفتوح يولد الفيلم كله، كأنه محاولة إنسانية لفهم الألم قبل أن يتحول إلى حكاية خالدة.

هندسة الحزن والعاطفة

يبدأ فيلم “هامنت” (2025) للمخرجة كلوي تشاو، بلقطة تبدو وكأنها ولادة ثانية للعالم. تنفتح الكاميرا على الطبيعة الرطبة، على الطين والأشجار والهواء المشبع بذاكرة المطر، بينما تتحرك امرأة في المشهد كما لو أنها جزء من هذا النسيج الطبيعي. هنا تظهر Jessie Buckley في دور الأم أغنيس، بجسد يلتصق بالأرض ووجه يحمل في آنٍ واحد ملامح الصفاء وندوب الحزن العميق. هذا المشهد الافتتاحي ليس مجرد تقديم للشخصية، فهو إعلان بصري عن الفكرة المركزية للفيلم: الإنسان كامتداد للطبيعة، والحزن كعنصر من عناصرها.

وأحد أكثر المشاهد جمالية في الفيلم هو ذلك الذي يتتبع لحظة المرض التي تصيب الطفل الصغير هامنت (جاكوبي جوب)، حيث الكاميرا لا تتعامل مع الحدث بوصفه ذروة درامية صاخبة، وإنما كتحول صامت في نسيج الحياة اليومية. يبقى البيت الريفي كما هو، والضوء يتسلل عبر النوافذ، والأصوات الطبيعية تستمر في التدفق، لكن داخل هذا الهدوء يتكثف شعور غامض بأن العالم بدأ يفقد توازنه. هذا الاقتصاد في التعبير البصري يجعل الفاجعة أكثر حضورًا، لأن المأساة هنا لا تُقال، فهي تُرى وتُحس.

يلي المشهد المعبر عن لحظة موت الطفل، والذي يشكل إحدى أكثر اللحظات تأثيرًا في الفيلم وتحولًا في مساراته السردية. تدخل الأم إلى البيت الذي صار فجأة فضاءً غريبًا. تبدو الأشياء المألوفة كأنها فقدت معناها. تقترب الكاميرا من وجه أغنيس الأم ببطء شديد، وتترك للملامح أن تقول ما تعجز اللغة عن قوله. في هذا المشهد يتجلى ما جعل أداءها محط إشادة نقدية واسعة: قدرتها على تحويل الوجه إلى مساحة كاملة للحزن، حيث تتحول النظرة والارتعاشة الخفيفة في الشفاه إلى خطاب عاطفي كامل.

ومن بين المشاهد التي تترسخ في ذاكرة المتفرج تلك اللحظة التي تواجه فيها الأم غياب الابن في الحقول المفتوحة. الطبيعة التي بدت في البداية حاضنة للحياة تتحول الآن إلى مرآة للفقد. تحولت الريح التي تمر بين الأشجار، وكذا الضوء الرمادي الذي يغمر المكان، والصمت الطويل، إلى عناصر للغة الحداد البصرية. في هذا المشهد تتجسد رؤية المخرجة Chloé Zhao (كلوي تشاو) التي اعتادت في أفلامها مثل Nomadland وThe Rider (أرض الرحل) و(الراكب) أن تربط الإنسان بالمكان بوصفه امتدادًا لوجوده الداخلي.

ويُعتبر المشهد الأكثر رمزية في الفيلم حين يعود الأب، ويليام شكسبير، (بول ماسكال) بعد غياب طويل. لا يقوم اللقاء هنا بينه وبين أغنيس على حوار صاخب أو اعترافات درامية. فكل شيء يحدث في صمت ثقيل. يبدو الرجل عاجزًا عن التعبير عن حزنه بالكلمات، كما لو أن اللغة نفسها فقدت قدرتها على المواساة. هنا يدرك المتفرج أن الفقد لم يسرق الابن فقط، بقدر ما غيّر طبيعة العلاقة بين الزوجين.

يمنح الفيلم للحكاية لحظة خلاص أخيرة. فالحزن الذي عجز الأب عن التعبير عنه في الحياة اليومية يتحول لاحقًا إلى فعل إبداعي. تصبح الكتابة الطريق الوحيد لمواجهة الغياب. ومن خلال هذا التحول يلمح الفيلم إلى العلاقة الخفية بين موت الطفل وولادة المسرح التراجيدي الذي سيخلد اسم شكسبير في تاريخ الأدب. وهكذا يتحول الألم الشخصي إلى ذاكرة إنسانية مشتركة.

وبهذه المشاهد المتناثرة بين الطبيعة والبيت والصمت، يصنع “هامنت” جمالية بصرية خاصة. إنه فيلم لا يعتمد على الحدث الكبير، وإنما على الأثر العميق الذي تتركه الصورة في روح المتفرج، وهو ما يمنحنا مفهومًا جديدًا لسينما الأثر. لا تمثل المشاهد هنا مجرد لقطات جميلة، فهي لحظات تأمل في معنى الفقدان وفي جدوى الكتابة والمعنى، وفي قدرة الفن على تحويل أكثر التجارب قسوة إلى حكاية قابلة للحياة من جديد.

الحزن بطل الحكاية

في فيلم Hamnet، لا يظهر البطل بالشكل التقليدي الذي اعتادت عليه السينما، إذ لا يقود الحكاية فعل بطولي ولا مغامرة درامية صاخبة. البطل هنا هو الحزن نفسه، الحزن الذي يتجسد في جسد الأم ووجهها ويغدو مركز العالم كله. من خلال هذا الاختيار الدرامي تتحول شخصية أغنيس إلى القلب النابض للفيلم، الشخصية التي تحمل الفاجعة في جسدها وتعيشها كخبرة وجودية لا يمكن الهروب منها.

تؤدي Jessie Buckley شخصية الأم أغنيس بحساسية استثنائية جعلت أداءها يبدو كما لو أنه تجربة شعورية كاملة أكثر منه تمثيلًا. وجهها، كما يقدمه الفيلم، ليس مجرد أداة تعبير، وإنما مساحة كاملة وموغلة للمشاعر المتضاربة. في إحدى اللحظات المؤثرة تقول الأم: «كنت أظن أن الأرض تحمينا جميعًا، لكن الأرض نفسها تأخذ أبناءنا». تختصر هذه الجملة روح الشخصية التي تعيش علاقة عضوية مع الطبيعة ومع الحياة، قبل أن تكتشف أن الطبيعة نفسها تحمل في داخلها بذرة الفقدان.

لا تمثل أغنيس مجرد أم مفجوعة، وإنما شخصية تمتلك معرفة عميقة بالحياة والموت. تبدو في عالم الفيلم المرأة أكثر قربًا من فهم الحزن، وكأنها تحمل إرثًا قديمًا من خبرة الفقدان التي مرت بها أجيال من النساء. ولذلك حين يموت الطفل، لا تنكر الحقيقة ولا تهرب منها، ولكن تدخل قلبها كما يدخل الإنسان عاصفة يعرف أنه لا يستطيع الفرار منها، إذ تقول في أحد المشاهد بصوت خافت: “الألم لا يطرق الباب، إنه يسكن البيت كله”.

إلى جانب هذه الشخصية المركزية يظهر الأب، ويليام شكسبير، بوصفه شخصية هامشية نسبيًا داخل التجربة الشعورية للفيلم، ليس لأنه بلا مشاعر، ولكن لأنه عاجز عن التعبير عنها. سيصبح الرجل الذي لاحقًا أحد أعظم كتاب المسرح في التاريخ، يبدو هنا إنسانًا مرتبكًا أمام مأساة شخصية لا يعرف كيف يواجهها. وحين يسأله أحدهم عن حاله بعد موت ابنه يجيب بصوت مكسور: “الكلمات التي أكتبها للناس لا تجد طريقها إلى قلبي”.

هذا العجز عن التعبير يجعل شكسبير يبتعد تدريجيًا عن مركز العائلة. يغادر البيت ويترك خلفه فراغًا جديدًا في حياة أغنيس، وكأن الفقدان لم يسرق الابن فقط وإنما أخذ معه جزءًا من العلاقة الزوجية. غير أن الفيلم يلمح إلى أن هذا الانسحاب ليس هروبًا من الحزن، فهو محاولة أخرى لمواجهته. فالكاتب الذي لا يستطيع البكاء في الحياة اليومية سيحوّل حزنه لاحقًا إلى لوحة من الكتابة.

أما الطفل هامنت، الذي يحمل الفيلم اسمه، فيحضر بوصفه شخصية قصيرة الظهور لكنها عميقة الأثر. وجوده في الحكاية يشبه ومضة حياة سرعان ما تنطفئ، لكن أثرها يبقى ممتدًا في ذاكرة الشخصيات. يقول الطفل في إحدى اللحظات البريئة: “أمي، هل يمكن أن تضيع الأرواح مثلما تضيع الطيور في الضباب؟”. هذا السؤال الطفولي يتحول لاحقًا إلى سؤال وجودي يطارد الشخصيات بعد موته.

وهكذا يبني الفيلم شبكة شخصيات لا تقوم على الصراع التقليدي وإنما على تفاعل داخلي مع الفقدان. تعيش الأم الحزن بوصفه تجربة جسدية وروحية، بينما الأب يواجهه بالصمت والكتابة، والطفل يتحول بعد موته إلى ذاكرة حية داخل الحكاية. وبين هذه الشخصيات يتشكل عالم كامل من الأسئلة حول معنى الحياة وحدود اللغة في مواجهة الألم.

يمكن اعتبار فيلم “هامنت” فيلمًا عن الشخصيات وعن سينما الشخصيات أكثر مما هو عن الأحداث. لا تمثل الشخصيات هنا مجرد أدوات للحبكة، فهي مرايا لوجوه متعددة من الحزن الإنساني. ولهذا يخرج المتفرج من الفيلم وهو يشعر بأن البطل الحقيقي لم يكن شخصًا واحدًا، وإنما تلك التجربة العميقة والمفعمة التي تجعل الإنسان يكتشف هشاشته أمام الفقد والحزن، ويبحث رغم ذلك عن معنى جديد للحياة.

ختامًا

هكذا ينتهي فيلم Hamnet، كما بدأ، همسًا طويلًا بين الحياة والغياب. لا يترك خلفه حدثًا صاخبًا بقدر ما يترك أثرًا يشبه ندبة شفافة في الروح. هنا يتحول الفقد من مأساة شخصية إلى ذاكرة إنسانية مشتركة، وتصبح الصورة ملاذًا أخيرًا للألم الذي يعجز الكلام عن حمله. تمضي الأم في صمتها، والأب يجد خلاصه في الكتابة، والطفل يعود كظل خفيف يسكن الحكاية. وكأن السينما نفسها تحاول أن تمنح الغياب شكلًا يمكن احتماله. في لحظة تأمل عميقة يقول الأب: “بعض الأرواح لا تغادر العالم، إنها تختبئ في القصص كي تبقى قريبة منا إلى الأبد”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا