مباشرة عقب تطبيق الزيادات الجديدة في أسعار المحروقات بالسوق الوطني، تعالت أصوات احتجاج واستنكار من الفئات الأكثر ارتباطا باستهلاك الوقود التي سارعت إلى مطالبة الحكومة بتدخل عاجل للحد من تداعيات هذه الزيادات. كما نددت هذه الفئات بما اعتبرته خروقات لقواعد المنافسة من لدن شركات المحروقات، داعية في الآن ذاته إلى إطلاق برامج دعم ومواكبة لفائدة المهنيين المتضررين من أجل التخفيف من وطأة الأزمة على أنشطتهم واستقرارهم الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أعربت تنسيقية النقابات الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع عن استنكارها الشديد للزيادة التي وصفتها بـ”الصاروخية وغير المسبوقة” في أسعار المحروقات، والتي بلغت حوالي درهمين للتر الواحد من الكازوال، مسجلة سرعة تطبيقها وبدء بعض محطات التوزيع في اعتمادها قبل الإعلان الرسمي.
وسجلت التنسيقية، المنضوية تحت لواء أربع مركزيات نقابية، أن “هذه الزيادات تأتي في سياق يتسم بتنامي تغول شركات توزيع المحروقات، المتهمة بارتكاب ممارسات منافية لقواعد المنافسة الشريفة، والتي كانت موضوع تسوية مع مجلس المنافسة”، محذرة من أن هذه التطورات ستعمّق من حدة الإكراهات التي يعيشها قطاع النقل الطرقي؛ بالنظر إلى مكانته الحيوية في الاقتصاد الوطني.
وأعلنت التنسيقية عن جملة من المطالب؛ أبرزها التعجيل بصرف دفعة جديدة من الدعم لفائدة مهنيي النقل، وتسوية الملفات العالقة، إلى جانب إقرار “الكازوال المهني” كآلية لحماية المهنيين من تقلبات الأسعار ومما وصفته بجشع شركات التوزيع”، داعية مجلس المنافسة إلى ترتيب جزاءات رادعة ضد الممارسات المخالفة لقواعد المنافسة في قطاع المحروقات، والحكومة لتحمل مسؤولياتها الكاملة واتخاذ إجراءات مستعجلة للتخفيف من آثار هذه الزيادات.
مصطفى شعون، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية لمهنيي وسائقي شاحنات نقل البضائع لحساب الغير، قال إن الحكومة “لم تستوعب بعد الدروس التي أفرزتها أزمة الحرب الروسية الأوكرانية وانعكاساتها على الاقتصاد الوطني، ولا التجارب السابقة المرتبطة بارتفاع أسعار المحروقات”، وأشار شعون، في تصريح لهسبريس، إلى أن “المواكبة الحكومية خلال تلك الفترات لم تكن بالفعالية المطلوبة، كما لم يتم تقييمها بشكل كافٍ؛ ما جعل البلاد تواجه اليوم أزمة جديدة في سياق التوترات الجارية في الشرق الأوسط”.
وأضاف الفاعل المهني أن “الحكومة تبدو عاجزة عن ضبط سلوك بعض الشركات الكبرى في قطاع المحروقات، التي تُقدم على رفع أسعار البنزين والكازوال قبل انقضاء مدة الـ60 يوما المعتمدة في تدبير المخزون”، معتبرا أن ذلك “يعكس ضعف آليات المراقبة وغياب الصرامة في تطبيق القانون داخل السوق”.
شدد المتحدث ذاته على أن مهنيي قطاع نقل الطرقي للبضائع “يرفضون أن يظلوا رهائن لتقلبات شركات المحروقات التي تستنزف القدرة الشرائية للمواطنين”، مؤكدا أن التنسيقية “باشرت مراسلة رئيس الحكومة بشكل مباشر لطرح مطالبها؛ وفي مقدمتها التعجيل بإعادة تفعيل بوابة المواكبة، التي سبق أن دعمت المهنيين خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2023، على خلفية تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية”.
كما دعا إلى “العمل على بلورة حلول عملية واستباقية لمواجهة الأزمات المماثلة مستقبلا”، مبرزا أن “المهنيين، ورغم أن كلفة المحروقات تمثل نحو 40 في المائة من إجمالي التكاليف، ملتزمون بعدم الزيادة في أسعار خدماتهم في الوقت الراهن”.
كما حذر شعون، في المقابل، من أن “أي تأخر في تفاعل الحكومة مع هذه المطالب قد يدفع إلى أشكال تصعيدية، إذ لا يمكن للمهنيين الاستمرار مكتوفي الأيدي أمام زيادات يرونها غير مبررة”.
من جهته، أكد منير بنعزوز، الكاتب العام للنقابة الوطنية لمهنيي النقل الطرقي المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن “صرف الدعم الحكومي أصبح مطلبا ملحا وواجبا ضروريا، خصوصا في ظل الارتفاعات غير المبررة لأسعار المحروقات والممارسات التي تتسم بعدم الالتزام بالقوانين من لدن بعض الشركات العاملة في القطاع”.
وأضاف بنعزوز، في تصريح لهسبريس، أن “تجاهل هذا المطلب قد يدفع مهنيي النقل إلى اللجوء مباشرة إلى الاحتجاجات والإجراءات التصعيدية للدفاع عن حقوقهم المشروعة، والتي تشمل حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استقرار أنشطة النقل الطرقي للبضائع”.
وشدد الكاتب العام للنقابة الوطنية لمهنيي النقل الطرقي على أن “الوضع الراهن يعكس ضعف المراقبة الحكومية لسوق المحروقات”، مستطردا: “لا يمكن أن تترتب على الأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط هذه الارتفاعات السريعة في الأسعار بالمغرب؛ ما يوضح أن الشركات أصبحت تمارس المضاربة بشكل واضح، مستغلة غياب آليات الرقابة الصارمة، ومضرة بالمهنيين والمستهلكين على حد سواء”.
وأوضح المتحدث أن “مخالفة شركات المحروقات للمعايير القانونية المتعلقة بفترات التخزين، التي تتراوح بين 60 و90 يوما، تمثل خرقا صريحا للقوانين الوطنية وتزيد من حدة الأزمة الاقتصادية التي يواجهها القطاع”.
وأكد بنعزوز أن “مراقبة السوق وتعزيز الشفافية أصبحا ضرورة حتمية لضمان حقوق المهنيين والمستهلكين على حد سواء، ولمنع أي استغلال قد ينعكس سلبا على الاقتصاد الوطني واستقرار النقل الطرقي للبضائع”.
ومن جهتها، طالبت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بتدخل حكومي فوري لتأطير وتنظيم أسعار الوقود وفق تكاليف الشراء الحقيقية، معتبرة “عدم تدخل الحكومة، لا سيما وزارة الادماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى وتشغيل الكفاءات، أمام هذه المعاناة وأمام الارتفاع غير مراقب لأسعار الوقود وما يليها من التضخم وارتفاع اسعار المواد الأولية يُمثلان ضربا من التخلي غير المقبول عن ملايين المقاولين المغاربة”.
كما دعت الهيئة سالفة الذكر، ضمن بيان صادر عنها، الحكومة إلى الإعلان عن برنامج مرافقة ملموس ممول لدعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين في مواجهة الصدمات الاقتصادية المتكررة، معتبرة الزيادة التي طبقت ليلة 15 مارس “فضيحة لا مثيل لها كشفت عن مدى الانهيار الذي بلغه ضبط الدولة لهذا القطاع؛ فقد أقدمت الغالبية العظمى من محطات الوقود على رفع أسعارها بشكل استباقي بمقدار درهمين للتر قبل تاريخ 16 مارس 2026، دون أي ترخيص رسمي أو نشر تنظيمي مسبق، وأغلقت محطات عديدة أبوابها عمدا طوال ليل 15 مارس، رافضة تزويد المواطنين والمهنيين بالوقود بالأسعار السارية المفعول آنذاك، لتُعيد فتح أبوابها صباح 16 مارس بالأسعار المرتفعة الجديدة”.
وأوضحت الكونفدرالية عينها أن هذه الممارسات تحقق أرباحا استثنائية على حساب المقاولات والمواطنين، إذ تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والمواد الأولية وتضخم أعباء الاستغلال؛ ما يرفع أسعار السلع والخدمات، ويضعف القدرة الشرائية، ويقلص الطلب والاستهلاك، وهو ما ينعكس سلبا على نشاط المقاولات خاصة الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
المصدر:
هسبريس