في اليوم الحادي عشر للحرب في الشرق الأوسط، ومع التوقف الكلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة عن عملية طرح هي الكبرى من نوعها في تاريخها، بسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الأعضاء لتعويض نقص الإمدادات النفطية؛ إلا أن وكالة بلومبرغ قالت إن هذه الخطوة لن تكفي سوى لتغطية أربعة أيام من الطلب العالمي.
وفي تحليل أصدرته شركة التأمين التجاري والتحليلات الاقتصادية الدولية Allianz Trade، وُضعت سيناريوهات لمدى قدرة أدوات إدارة الأزمات، مثل الاحتياطيات الاستراتيجية، على حماية الاقتصاد العالمي في حال استمرار النزاع.
واعتبر التقرير أن الإفراج عن المخزون الاستراتيجي يمثل “الرصاصة الأخيرة” لتهدئة الأسواق ومنع وصول سعر البرميل إلى مستويات كارثية قد تتجاوز 130 دولارا؛ لكنه شدّد على أن فعالية هذا “السلاح” تظل مؤقتة. ففي حالة إذا طال إغلاق مضيق هرمز لأكثر من ثلاثة أشهر، فإن حتى أكبر الاحتياطيات النفطية العالمية لن تكون كافية لتعويض النقص؛ ما قد يقود إلى سيناريو الانهيار أو الركود التضخمي العالمي.
وأشارت تقديرات بيوت ومؤسسات التجارة وصناديق التحوط الكبرى إلى أن ما سيصل فعليا إلى الأسواق من هذا السحب لن يتجاوز مليونين إلى أربعة ملايين برميل يوميا، في حين توقّف مرور نحو 20 مليون برميل بسبب الإغلاق؛ ما يعني أن احتياطيات الوكالة الدولية للطاقة لن تعوّض سوى 10 في المائة إلى 20 في المائة كحد أقصى.
وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي إدريس الفينة إن “سلاح الملاذ الأخير في الاقتصاد هو مجموعة الأدوات الاستثنائية التي تلجأ إليها الدول أو المؤسسات الدولية عندما تصل الأسواق إلى حالة اختلال خطير يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي قطاع الطاقة تحديدا، يُعتبر الإفراج عن الاحتياطات الاستراتيجية من النفط أحد أبرز هذه الأدوات؛ لأنه يمثل المخزون الذي تحتفظ به الدول الصناعية لمواجهة الصدمات الكبرى مثل الحروب أو تعطّل الإمدادات”.
وأوضح الفينة، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه الاحتياطات لم تُنشأ أصلا للتعامل مع التقلبات العادية للأسواق؛ بل لمواجهة أزمات حادة مثل إغلاق مضائق بحرية، أو توقف إنتاج دول رئيسية، أو اندلاع حروب واسعة تؤثر في الإمدادات العالمية تماما مثلما نشهده اليوم. ولهذا السبب، فإن استخدام هذا السلاح يكون غالبا قرارا سياسيا واقتصاديا شديد الحساسية؛ لأن اللجوء إليه يعني أن الأسواق دخلت مرحلة استثنائية تتطلب تدخلا مباشرا لحماية الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وأضاف المحلل ذاته أنه من حيث التأثير، يمكن للاحتياطيات الاستراتيجية أن تخفف الضغط على الأسعار وتمنح الأسواق إشارة بأن هناك قدرة على تعويض جزء من النقص؛ ما يهدئ الوضع لبضعة أشهر إلا أن فعاليتها محدودة زمنيا، فهي مجرد مخزون مؤقت وليس مصدر إنتاج دائم، قادر على امتصاص الصدمة لأسابيع أو أشهر فقط، ولا يمكنه معالجة اختلال هيكلي طويل في العرض العالمي رغم أنه يمنح الوقت لإعادة التوازن، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية إذا استمرت أسباب الأزمة مثل الحروب أو تعطّل طرق التجارة أو تراجع الإنتاج.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي بدر الزاهر الأزرق إن “الاحتياطيات الاستراتيجية، التي شهدنا فعاليتها خلال حرب 1973 وحرب الخليج عام 1991، تعود لتلعب دورا في استقرار السوق مرة أخرى.
وأبرز الزاهر الأزرق، في تصريح لهسبريس، أن دور هذه الاحتياطيات يتمثل في قدرتها على توفير استقرار نسبي في الأسعار لفترة قصيرة تمتد لبضعة أشهر، في انتظار حل الأزمة كليا؛ إلا أن السؤال الأهم يبقى هو: كيف سيتم تغذية هذا المخزون الاحتياطي في المستقبل؟ وكيف ستُلبّى الحاجيات المتزايدة للاقتصاد العالمي مع استمرار الضغوط على الإمدادات؟”.
وأشار الخبير الاقتصادي عينه إلى أن الصدمة الكبيرة التي عاشتها السوق في الأيام الماضية تظهر أن الأسعار لن تنخفض بشكل ملموس؛ بل من المتوقع أن تستقر عند مستويات مرتفعة نسبيا، إلى أن يتم إيجاد حل نهائي لتوقف مضيق هرمز.
وأكد المصرح ذاته أن الأزمة التي يعيشها الشرق الأوسط عموما ستبقي الأسواق في حالة اضطراب، حيث تسيطر حالة عدم اليقين على توقعات المستثمرين والمتعاملين.
وسجل بدر الزاهر الأزرق أن “هذه الإجراءات تبقى مؤقتة فقط، بمثابة جرعة مهدئة لا يدوم مفعولها الا قليلا ولا تشكل حلا للأزمة، ولن تحمي الاقتصاد العالمي من تداعياتها المتوقعة على المديين المتوسط والطويل”.
المصدر:
هسبريس