في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أعادت حوادث الاعتداء التي تورط فيها أشخاص في وضعية اضطراب عقلي خلال الفترة الأخيرة إلى الواجهة النقاش حول واقع الصحة النفسية في المغرب، في ظل تزايد حضور المختلين عقليا في الفضاءات العامة وما يثيره ذلك من مخاوف لدى المواطنين بشأن السلامة العامة وكرامة المرضى في الوقت نفسه.
وأثار تكرار الاعتداءات المنسوبة إلى أشخاص في وضعية اضطراب عقلي خلال الفترة الأخيرة نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد تسجيل حوادث استهدفت عددا من الأئمة في جهات مختلفة من المملكة، وأسفرت، وفق معطيات متداولة، عن وفاة أربعة أئمة من أصل خمس اعتداءات مماثلة.
وفي تصريحات متفرقة لجريدة “العمق المغربي”، عبّر عدد من المواطنين عن قلقهم من تفاقم هذه الظاهرة، مؤكدين أن الشارع أصبح في بعض الأحيان مجالا مفتوحا لأشخاص يعانون اضطرابات نفسية حادة، ما قد يشكل خطراً على المارة، خصوصاً الأطفال والمسنين.
الشارع فضاء مفتوح لمخاطر غير متوقعة
وقال أحد المتحدثين إن الموضوع “ليس جديدا، لكنه بات أكثر تفاقما في الشارع”، موضحا أن وجود أشخاص يعانون اختلالات عقلية دون رعاية أو متابعة طبية قد يؤدي في أي لحظة إلى حوادث خطيرة. وأضاف أن الأمر يتطلب “اهتماما أكبر من السلطات العمومية وقراءة جادة من طرف الحكومة والفاعلين السياسيين”، بالنظر إلى ما قد يمثله من تهديد للصحة العامة والأمن المجتمعي.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن عددا من الحوادث المرتبطة بمختلين عقليا تقع في مناطق مختلفة من البلاد، لافتا إلى أن بعض الطرق الوطنية تشهد بين الفينة والأخرى حوادث مميتة يتعرض لها هؤلاء الأشخاص بسبب تجوالهم وسط الطريق، فضلا عن حالات اعتداء أو تخريب قد تقع في بعض المناطق القروية دون أن تحظى بتغطية إعلامية كافية.
وأكد أن هذه الفئة من المواطنين “تستحق بدورها العناية والكرامة”، داعيا إلى توفير مراكز إيواء متخصصة تضمن لهم العلاج والرعاية، وتحمي في الوقت ذاته سلامة المجتمع. كما شدد على ضرورة توفير الأدوية والمتابعة الطبية اللازمة، وإطلاق استراتيجية وطنية متكاملة للتكفل بالصحة العقلية.
وفي السياق ذاته، شدد متحدث آخر على أهمية دور الأسرة في متابعة المريض النفسي بعد خروجه من المستشفى، مبرزا أن كثيرا من الحالات تسبقها علامات تحذيرية يمكن رصدها، مثل التهديد بإيذاء النفس أو الآخرين أو إلحاق الضرر بالممتلكات. وأوضح أن الانتباه المبكر لهذه المؤشرات يمكن أن يساهم في التدخل الطبي قبل تفاقم الحالة.
وأضاف أن عددا من الدول تعتمد نظام “المستشفيات النهارية”، حيث يتلقى المرضى الرعاية والعلاج خلال النهار قبل العودة إلى منازلهم، وهو نموذج يساعد على إعادة تأهيل المرضى نفسيا واجتماعيا، بمشاركة مختصين في العلاج النفسي والتأهيل الوظيفي.
دور الأسرة في رصد العلامات المبكرة
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور رضوان اليوسفي، الأخصائي الإكلينيكي، أن هذه الحوادث تسلط الضوء على إشكالات أعمق مرتبطة بوضعية الصحة النفسية في المغرب، مشيرا إلى أن تقارير حديثة تفيد بأن نحو 48.9 في المائة من المغاربة عانوا في مرحلة ما من حياتهم من اضطراب نفسي أو يعانون منه حاليا، وهي نسبة تقارب نصف السكان، ما يستدعي تعبئة أكبر للموارد والإمكانات لمواجهة هذه الظاهرة.
وأكد المتحدث ذاته في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن قطاع الصحة النفسية يعد من القطاعات التي تعاني خصاصا واضحا في الموارد البشرية والبنيات التحتية، مشيرا إلى أن عدد المتخصصين في المجال لا يزال محدودا، كما أن المؤسسات الاستشفائية المخصصة لعلاج الاضطرابات النفسية تبقى قليلة ولا تتناسب مع حجم الطلب والحاجة المتزايدة إلى خدمات الصحة العقلية.
وأضاف أن عددا من المستشفيات المتخصصة لم تعرف تأهيلا كافيا منذ عقود، باستثناء بعض الإصلاحات المحدودة التي شهدتها في السنوات الأخيرة، وهو ما لا يواكب حجم التحديات المرتبطة بانتشار الاضطرابات النفسية.
وفي تفسيره لتزايد بعض الحوادث خلال شهر رمضان، أشار اليوسفي إلى أن تغيّر نمط الحياة لدى المرضى قد يساهم في تفاقم حالتهم، خصوصا في حال اضطرار بعضهم إلى تغيير مواعيد تناول الأدوية أو التوقف عنها بشكل مفاجئ بسبب الصيام أو اختلال نظام النوم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدهور سريع في حالتهم الصحية.
كما لفت إلى أن استهلاك المخدرات يشكل عاملا إضافيا يزيد من تعقيد الوضع، إذ يؤدي إلى تقليل فعالية الأدوية النفسية، كما قد يتسبب في أعراض انسحاب حادة لدى المدمنين خلال فترة الصيام، ما قد يدفع بعض المرضى إلى سلوكيات عدوانية أو نوبات هيجان.
نقص البنيات التحتية وتحديات التكفل
ودعا مواطنون في تصريحات متطابقة للجريدة إلى تعزيز البنيات التحتية الخاصة بالصحة النفسية في المغرب، مؤكدين أن الطاقة الاستيعابية الحالية للمستشفيات المتخصصة تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجة. وأشار بعضهم إلى وجود اكتظاظ داخل بعض المؤسسات الصحية، ونقص في الموارد البشرية المتخصصة.
وفي هذا الإطار، عبّر متحدث من مدينة فاس عن أمله في أن يسهم المركز الصحي الجديد الجاري إنجازه بمنطقة عين قادوس في تحسين خدمات العلاج النفسي بالجهة، معتبرا أن مثل هذه المشاريع قد تشكل خطوة مهمة نحو معالجة هذا الملف.
من جهة أخرى، دعا المواطنون إلى توخي الحذر في التعامل مع الأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية في الشارع، وتجنب استفزازهم أو السخرية منهم، لما قد يؤدي إليه ذلك من ردود فعل غير متوقعة. كما شددوا على ضرورة تبليغ السلطات المختصة عند ملاحظة حالات تشكل خطرا محتملا على السلامة العامة.
وشددوا على أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني، بل تستلزم مقاربة شاملة تجمع بين العلاج الطبي، والدعم الاجتماعي، وتوفير البنيات الصحية الكافية، بما يضمن كرامة المرضى ويحفظ في الوقت ذاته أمن المجتمع.
وأوضح الأخصائي الإكلينيكي أن الاضطرابات العقلية ليست نمطا واحدا، بل تشمل عدة أشكال إكلينيكية، من بينها حالات الفصام المصحوبة بأفكار اضطهادية أو هلاوس ذات طابع ديني، حيث قد يعتقد المريض أنه مكلف بمهمة معينة أو أن هناك جهات تتآمر عليه، وهو ما قد يدفعه أحيانا إلى سلوكيات عنيفة دون إدراك كامل لطبيعة أفعاله.
وشدد المتحدث على أن هذه الأفعال تختلف عن الجرائم العادية التي تتم عن سبق إصرار وترصد، إذ ترتبط في هذه الحالات باضطرابات نفسية تؤثر على إدراك الشخص للواقع وتدفعه إلى التصرف بناء على أفكار وهلاوس مرضية.
وخلص الإخصائي ذاته، إلى ضرورة تعزيز منظومة الصحة النفسية بالمغرب، عبر توفير موارد بشرية متخصصة، وتوسيع البنيات الاستشفائية، إلى جانب تطوير آليات المواكبة الاجتماعية والعلاجية للمرضى، بما يضمن حمايتهم وحماية المجتمع في الوقت نفسه.
المصدر:
العمق