وجه المجلس العلمي الأعلى الخطباء والوعاظ والمرشدين والمرشدات والأئمة إلى التدخل في المساجد والإعلام والتواصل الميداني بين الناس، من أجل التوعية بـ”الفرق بين تدين غافل وتدين يثمر الورع والتقوى”، في إطار خطة “تسديد التبليغ” التي تنادي بمخاطبة الناس باختلاف قدراتهم على الفهم، وبمختلف اللغات، و”الحرص على التكرار، والصبر، والحكمة، وإحسان الظن بالناس، وإظهار القدوة الحسنة لهم”، وفق الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى سعيد شبار.
جاء هذا في كلمة توجيهية للمجلس العلمي الأعلى، تأتي بعد سابقة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية حول المحطة الجديدة من “الخطة”، حيث ذكر شبار أن من الأولويات التي ينبغي أن تبلغ للناس “ربط العبادات بثمراتها”، مردفا: “الأولويات الكبرى في قضايا رعاية الحقوق حق الله على العباد، أي العبادة وعدم الشرك الذي لا يقتصر على الصنم بل يمتد إلى هوى النفس، ولا إله إلا الله تحرر من هذا ومحاسبة النفس؛ ثم حقوق الناس بالصدق في الحديث، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود، والإخلاص في الأعمال، وحسن المعاملة والتعاون والتراحم؛ فحق النفس في حفظها وصونها، بعدم الإلقاء بها إلى أي تهلكة أو محرم أو إجهاد فوق الطاقة”.
وقال الكاتب العام للمجلس إن مهمة العلماء والقيمين الدينيين هي “الحرص على الناس حتى يكونوا على وعي بالمطلوب منهم في باب التدين النافع للأفراد والجماعات والأمة، وحتى يعيشوا حياتهم على أساس توحيد الله توحيدا مقترنا بمحاسبة النفس، على مدى التزامها بالمواضيع المبينة في العمل الصالح، وأن تكون غايتهم أن تتغير حياة الناس بمقتضى هذا التبليغ، إلى ما يقترب باستمرار من الحياة الطيبة، بالنسبة لكل شخص، بحيث يتحول هذا المشروع إلى واقع حاضر لدى كل شخص، من الذكور والإناث، من الكهول والشيوخ والشباب”.
وتروم مهمة التبليغ تحسين حياة الناس، حتى تصير، وفق المسؤول ذاته، حياة “سليمة من التهلكات والشقاء والشقاق والعنت والهم والحزَن”، على اعتبار أن “الحياة الطيبة هي تعريف القرآن للسعادة في الدنيا والآخرة، وثمراتها استقامة سلوك الإنسان”، خاصة بعد ما لاحظه القيمون على تدبير الشأن الديني بالبلاد من “تفاوت بين قيم الشرع وسلوك الناس”.
ومن بين مضامين التوجيه العمل من أجل التشجيع على “التكافل الاجتماعي بالنظر إلى الأحوال الاجتماعية لساكنة كل حي، بالحث والإنفاق للتقليل من العوز والاحتياج، والتكفل بعلاج الحالات المزمنة، مثل المرض والإدمان والاكتئاب وغيرها… وبالتفقد للإصلاحيات والسجون ودور العجزة والمستشفيات، ونصح الشباب، وتمنيعهم من الفتن والإدمان بكل أنواعه، خاصة في ظل التحدي الرقمي الراهن”.
ومن بين محاور التوعية التي تم حث الفقهاء والوعاظ والواعظات والخطباء على الاهتمام بها في علاقاتهم العامة، وتدخلاتهم الإعلامية وداخل المساجد وخارجها: “التوعية بالميثاق الغليظ بين الأزواج وبقيم المودة والرحمة، والصبر، والصفح، من أجل حياة مطمئنة، وفضاء أنسب لتربية الأبناء، والتدخل لإصلاح ذات البين، والتحسيس بمخاطر الطلاق وآثاره على الأبناء، وتحرير الحقوق بين الأزواج من منطق الصراع والنزاع”؛ كما دعاهم المجلس العلمي الأعلى إلى التوعية بضرورة “حفظ النظام العام، باحترام القوانين المعمول بها وعدم مخالفتها”، لأن “مخالفتها مخالفة شرعية، مثل مخالفة قوانين السلامة الطرقية، والجريمة وخطرها على الأفراد والأسر والدولة…”. ومن بين محاور التوعية “التوعية الصحية والبيئية بالعناية بالصحة النفسية والبدنية، وتجنب الإسراف والتبذير في المأكل والمشرب”.
واعتبر الأكاديمي والمسؤول التدبيري الثاني في المجلس العلمي الأعلى سعيد شبار العمل التبليغي “تمكينا لوازع القرآن، إلى جانب وازع السلطان الذي تمثله مؤسسات الدولة والقانون العام”؛ لأن “في تكاملهما قوة للأمة والدولة في وجودها المعنوي والمادي”، وزاد: “العمل التبليغي رافد من روافد التنمية في الدولة، ما يستدعي التنسيق والتعاون في هذا العمل مع كل مؤسسات المحيط الشريكة في موضوعات التدخل الميداني، تربوية وصحية وأمنية وقضائية واجتماعية وبيئية وغيرها، والاستعانة بجماعة المسجد وفضلاء كل حي، وكل الطاقات الخيرة للإسهام في هذا العمل الذي ينبغي أن يمتد في كل الأمة، خدمة للدين والوطن”.
تجدر الإشارة إلى أن كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق في يناير الماضي من السنة الجديدة 2026 أوضحت أن “خطة تسديد التبليغ” في المغرب تروم تجديد طرق تبليغ الدين في “عصر الإحصاء”؛ أي المعرفة العلمية لنسبة الصلاح والفساد، المصحوبة بالتشخيص المفصل في كل جماعة من الناس أو بلد أو أمة، علما أن معظم مقاييس الفساد والصلاح مشتركة، من جهة العقل والتجريب، بين الناس وإن اختلفت مرجعياتهم. ومن الأمثلة على ذلك إحصائيات التعليم والصحة والمعيشة والوئام الأسري والأمن والإجرام، وبالتالي فإن “أول من يتعين عليهم اعتبار النتيجة في الالتزام بالدين في جماعة من المسلمين هم العلماء؛ لأنهم كما ورثوا واجب القيام بالتبليغ يتعين عليهم النظر الدائم في مدى نجاعة هذا التبليغ وتأثيره”.
ومن هذا المنطلق طرح المجلس العلمي الأعلى “إشكالية التبليغ كموضوع ومنهج (…) لأنهم وقفوا على الفجوة الكبرى والتفاوت الجلي بين قيم الدين في باب السلوك وبين نوعية تدين الناس، أي العمل بالدين في سائر أحوالهم وأعمالهم ومعاملاتهم”.
المصدر:
هسبريس