آخر الأخبار

أكاديميون يناقشون "قانون التصفية" .. تقنيةُ الأرقام تغلب نقاش السياسة

شارك

حفّزت الجمعية المغربية للسياسات العمومية (MAPP)، بالتعاون مع مؤسسة “فريدريش ناومان”، نقاشاً أكاديمياً حَفر عميقاً في موضوع “قانون التصفية في المغرب: إغلاق محاسباتي أم أسلوب لتقييم السياسات العمومية؟”، بمشاركة نخبة من الأساتذة والخبراء، وحضور طلبة باحثين؛ فيما تناول “النقاش الرمضاني”، الذي تابعته هسبريس، من زوايا تحليلية متنوعة مسارَ تنفيذ الميزانية المغربية، مبرزاً الفجوة بين لغة الأرقام “التقنية” وجوهر “الرقابة التشريعية–السياسية”.

“عطب” النمو و”فِخاخ التوقع الميزانياتي”

أكد الأستاذ الباحث في علوم الاقتصاد والتدبير بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، عبد الرزاق الهيري، أن قوانين التصفية تكشف عن “عطب” هيكلي في نسب النمو المحققة، التي “غالباً ما تأتي بعيدة عن الرهانات المسطرة”، وأوضح أن تحليل الهوامش الميزانياتية يُظهر تأثراً مباشراً بفترات الجفاف والدورات الانتخابية، ما يضعف دقة التوقعات ويحد من فعالية قانون التصفية كأداة للتقييم اللاحق.

مصدر الصورة

وفي تشريح دقيق للمحددات الهيكلية لفت الهيري، ضمن مداخلته، الانتباه إلى ما سماه “التحيّز الإيجابي المؤسسي” أو “تحيز المرغوب سياسياً”؛ حيث تُبنى فرضيات الميزانية بتفاؤل “مفرط” لتتوافق مع نفقات مُعلن عنها مسبقاً، ضارباً المثال بالمبالغة في تقدير استرداد الضريبة على القيمة المضافة لضبط العجز التوقعي أمام الشركاء الدوليين، وهو ما يظهر زيفُه عند لحظة “التصفية”.

ولتحقيق حكامة فعالة دعا الجامعيُ ذاته إلى “ضرورة مأسسة التوقعات عبر هيئة مستقلة للتحقق من الفرضيات الماكرو-اقتصادية”، مع إدماج “جدول ميزانياتي للمخاطر المناخية” في البرمجة السنوية؛ كما اقترح رقمنة مسار قانون التصفية ونشر نسخ تفاعلية مدعومة بالبيانات البصرية لتبسيط المعلومة المالية للمواطن والبرلماني على حد سواء.

مصدر الصورة

تفرّد معياري وبُعد تاريخي

بدوره اعتبر جواد النوحي، أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية-أكدال، أن لقانونِ التصفية “تفرداً معيارياً” في المنظومة المالية المغربية، كونه الوثيقة التي تنقل النقاش من منطق “الترخيص” المسبق في قانون المالية السنوي إلى منطق “الإنجاز” الفعلي والنتائج المحققة، وشدد على أن الجدوى الحقيقية لهذا القانون تكمن في كونه “وثيقة لتقييم السياسات العمومية وقياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي”.

وأشار النوحي إلى أن القانون يؤدي ثلاث وظائف جوهرية: رقابية، وتقييمية (عبر تقارير نجاعة الأداء)، وإخبارية (لحظة إخبار البرلمان بالواقع المالي)، خالصا إلى أنه “قانون يفتقر حالياً إلى الجانب التشريعي في شكله الصِرف، ما يستوجب تعزيزه بوثائق تزويد دقيقة تسمح ببناء فرضيات واقعية تربط النجاعة بالنتائج المحققة من طرف الإدارات الوزارية.

مصدر الصورة

مرآة صدق الوعود الحكومية

محمد المودن، أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي-الرباط، عنوَنَ مداخلته بـ”قانون التصفية بالمغرب: بين الرهان الديمقراطي ومحدودية الرقابة البرلمانية الميزانياتية”، واصفاً بأنه “أحسن فرصة” للبرلمان لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومعتبراً إياه كذلك “المرآة التي تعكس صدق الوعود الحكومية”.

وأكد المودن أن الفصل 76 من الدستور والقانون التنظيمي 130-13 مَنَحَا البرلمان آليات لفرض رقابة بعدية دقيقة، إلا أن الواقع يصطدم بغلبة “الهامش التقني” للأرقام على المضمون السياسي للنقاش، وانتقد ما وصفها بـ”الأرقام الجامدة” التي تملك الحكومة حقيقتها المطلقة بينما يفتقر البرلمان إلى الموارد والأهلية للتأكد منها، ما يحول النقاش إلى “خطاب سياسي فارغ” يفتقر إلى تقييم الأثر الحقيقي. وأبرز وجود مفارقات صارخة في الفرضيات (النمو، التضخم، المحصول الزراعي) بين ما يتم التصويت عليه وما يتم تنفيذه فعلياً تحت مسمى “المرونة المفرطة”.

مصدر الصورة

وشدد المتحدث نفسه على ضرورة تفعيل “المحاسبة التحليلية” للإجابة عن سؤال: “ما هي القيمة المضافة التي خلقتها هذه الأموال؟”، بدلاً من الاكتفاء بمعرفة أين صرفت، ودعا إلى إرساء “مكتب برلماني للميزانية” والرفع من وتيرة التفاعل مع المجلس الأعلى للحسابات لضمان عدم إفلات الحسابات الخصوصية من الرقابة، مع ضرورة رقمنة المسار الميزانياتي بالكامل لتقليص الآجال الزمنية (سنتان حالياً) التي تفقد المحاسبة معناها.

أداة ضعيفة وإجراء “صوري”؟

من جانبه وصف الأستاذ الباحث خالد بوزلماط قانون التصفية الحالي بـ”الأداة الضعيفة” لربط المسؤولية بالمحاسبة، مرجعاً ذلك إلى عوائق قانونية ومؤسساتية، وأشار إلى أن التأخر الزمني الكبير في المناقشة (Optimal 6 months بينما الواقع سنتان) يجعل المساءلة تفقد جوهرها لكون الحكومات أو الأولويات قد تكون تغيرت بالفعل.

مصدر الصورة

وسجل بوزلماط، وهو أستاذ باحث بكلية FSJES أكدال، غياباً مقلقاً للبرلمانيين أثناء مناقشة هذا القانون (أكثر من نصف النواب والمستشارين)، مع تركيز الرقابة على “الكمّ” بدلاً من “الكيف”، ودعا إلى “مأسسة” الإعلام الميزانياتي وتجويد تقارير الأداء الصادرة عن وزارة المالية، “للانتقال من مجرد المصادقة المحاسبية إلى تقييم فعلي لنجاعة الولاية الحكومية ومدى تماسك قراراتها المالية”، بتقديره.

تقارير الأداء وتجويد التقييم

في السياق ركزت شيماء خفاشني، عضو الجمعية المغربية للسياسات العمومية وباحثة في العلوم الاقتصادية والتدبير، على التحديات التي تواجه “قانون التصفية 2024″، الصادر مؤخرا، مبرزةً الفجوة بين الالتزام الشكلي بالقانون التنظيمي وبين الفعالية الرقابية، وأوضحت أن “تعقيد الوثائق الميزانياتية وضخامة حجمها يجعل من الصعب على الفاعل البرلماني غير المتخصص ممارسة دور تقييمي حقيقي، ما يحول قانون التصفية إلى آلية للمصادقة المحاسباتية بدلاً من أن يكون أداة لتقييم نجاعة السياسات العمومية”.

كما أبرزت فاطمة دكير، باحثة في المالية العمومية، أهمية تقارير الأداء ومؤشرات النجاعة كدعامة أساسية لقانون التصفية منذ إقرار القانون التنظيمي للمالية 130.13، ونادت بـ”ضرورة توحيد منهجيات إعداد هذه التقارير بين مختلف القطاعات الوزارية لضمان تماسكها، مع التركيز على جودة المؤشرات ومدى تعبيرها عن الأثر الاجتماعي والاقتصادي الحقيقي للبرامج العمومية، لضمان انتقال فعلي نحو ميزانية مبنية على النتائج”.

وأجمعت المداخلات على أن قانون التصفية في المغرب مازال يعاني من “هيمنة السلطة التنفيذية تقنياً”، ما يتطلب “ثورة رقمية وقدرات تحليلية برلمانية مستقلة” لتحويله من “شهادة وفاة” للسنة المالية إلى “برنامج عمل” لتجويد السياسات العمومية المستقبلية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا