شهد المغرب خلال سنة 2024 أزيد من 5 آلاف مظاهرة، بمشاركة نحو 180 ألف شخص، في مختلف المدن والجهات، للتعبير عن المطالب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فضلاً عن التضامن مع قضايا دولية، أبرزها القضية الفلسطينية.
وأوضح المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في تقريره السنوي لسنة 2024، أن عدد التجمعات والتجمهرات السلمية بلغ 5232 مظاهرة، شارك فيها حوالي 180 ألف شخص وفق المعطيات التي توصل بها المجلس من وزارة الداخلية بتاريخ 16 أبريل 2025
وتمحورت أغلب هذه الاحتجاجات حول مطالب اقتصادية واجتماعية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والعدل، إلى جانب احتجاجات مرتبطة بتداعيات زلزال الأطلس وفك العزلة عن المناطق النائية، واحتجاجات حول قضايا الماء والبيئة، فضلاً عن المسيرات والوقفات التضامنية مع الشعب الفلسطيني.
ورصد المجلس أكثر من 279 مظاهرة باستخدام وسائل متعددة شملت الرصد التلقائي والميداني، إضافة إلى المراقبة عبر المواقع الإخبارية والإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وفي قطاع التعليم، رصد المجلس تنظيم مسيرات احتجاجية في الرباط والدار البيضاء وطنجة وبني ملال والجديدة ووجدة، ركزت مطالبها على تحسين جودة التعليم، وإلغاء النظام الأساسي الجديد لموظفي التربية الوطنية أو تعديله بما يراعي حقوق الأساتذة والعاملين في القطاع، ورفض مضامين اتفاق 26 دجنبر 2023 وقرارات التوقيف الصادرة في حق بعض الأساتذة، ورفض قرار وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة القاضي بتحديد سن الولوج إلى القطاع في 30 سنة، والمطالبة بإلغاء نظام التعاقد والإدماج في الوظيفة العمومية، وتوفير ظروف دراسية ملائمة للطلبة من خلال بناء مدارس قريبة من الساكنة لتفادي الهدر المدرسي.
وفي قطاع الصحة، شهدت السنة إضرابات في مختلف المؤسسات الصحية مع استثناء أقسام المستعجلات والإنعاش، إضافة إلى تنظيم مسيرة وطنية في الرباط ضد ما اعتبره المحتجون تجاهلاً حكومياً لمطالبهم وعدم تنفيذ الاتفاقات، مطالبين بتحسين ظروف العمل.
كما امتدت حركة احتجاج الطلبة بكليات الطب وطب الأسنان والصيدلة منذ 16 دجنبر 2023 لأكثر من عشرة أشهر، احتجاجاً على تقليص مدة التكوين من سبع إلى ست سنوات، وغياب تصور واضح للسلك الثالث، وزيادة أعداد الطلبة دون توفير البنية التحتية الملائمة، وضعف تعويضات المتدربين.
وأبرز التقرير أنه رغم سلسلة من الحوارات بين الطلبة والوزارة الوصية، لم يتم التوصل إلى حلول توافقية، مما أدى إلى استمرار الاحتجاجات واتساع رقعتها، واتخذت الوزارة إجراءات تأديبية وإدارية في حق الطلبة المضربين، قبل أن يُعاد فتح الحوار بعد تعيين وزير جديد للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حيث قدمت الوزارة مقترحات جديدة تستجيب لمطالب الطلبة، ليتم تعليق جميع أشكال الاحتجاج السلمي ومتابعة مستجدات الحوار.
وشهد قطاع العدل احتجاجات وإضرابات نظمها كتاب الضبط والمحامون والعدول تعبيراً عن رفضهم للقرارات وتعديلات تمس وضعياتهم المهنية وحقوقهم المكتسبة، حيث نفذ كتاب الضبط إضرابات وطنية ووقفات احتجاجية خلال أشهر يوليوز وشتنبر وأكتوبر شملت جميع المحاكم والإدارات القضائية احتجاجاً على ما اعتبروه تجاهلاً حكومياً لمطالبهم الخاصة بإخراج النظام الأساسي لهيئة كتابة الضبط.
كما نظم المحامون موجة احتجاجية عقب مصادقة مجلس النواب على مشروع قانون المسطرة المدنية يوم 23 يوليوز 2024، اعتبروا بعض مقتضياته تراجعاً عن مكتسبات المهنة، ونفذوا إضراباً استمر عدة أشهر من يوليوز إلى شتنبر تخللته وقفات احتجاجية، وشهدت مهنة العدول سلسلة احتجاجات بعد خلاف مع وزارة العدل بشأن مشروع القانون الجديد المنظم للمهنة، حيث اعتبرت الهيئة الوطنية للعدول أن بعض مقتضياته تمثل تراجعاً عن مكتسبات سابقة، وبعد تعثر الحوار مع الحكومة، دخل العدول في إضرابات وطنية متتالية بين شهري يناير ومارس بمشاركة واسعة من مختلف المدن.
كما تصاعدت الاحتجاجات على خلفية زلزال الأطلس في جهة مراكش-آسفي وجهة سوس-ماسة، حيث عبرت الساكنة المتضررة عن استيائها من بطء تنفيذ برامج إعادة الإعمار وعدم الشفافية في توزيع المساعدات، وشهدت مناطق الحوز وإقليم تارودانت مسيرات ووقفات احتجاجية مطالبة بتسريع إعادة الإعمار وضمان توزيع عادل للدعم المالي، وامتدت المطالب إلى العاصمة الرباط ووقفتين احتجاجيتين حول نفس المطالب، فيما نظمت ساكنة عدة دواوير في المناطق الجبلية المعزولة مسيرات واعتصامات لتحسين البنية التحتية مثل تعبيد الطرق الرابطة بين المناطق الجبلية وضمان الوصول إلى الأسواق والمرافق الأساسية.
وشهدت سنة 2024 أيضاً سلسلة من الوقفات والمسيرات الاحتجاجية تضامناً مع القضية الفلسطينية في مدن مختلفة، حيث نددت بالاعتداءات الإسرائيلية ودعت إلى وقف الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني ووقف التطبيع، بمشاركة هيئات نقابية وحزبية ومدنية.
كما رصد المجلس تنظيم احتجاجات أخرى بعدة مناطق تتعلق بالحق في الماء في بعض المناطق التي تعرف إجهاداً مائياً مثل فكيك، وتحسين وضعية بعض الفئات كالمتقاعدين، والحفاظ على الموارد البيئية وضمان استدامتها وتدبير النفايات، وحماية الأطفال من العنف داخل المؤسسات التعليمية، ورفض القانونين المتعلقين بالإضراب والتقاعد في الرباط، والمطالبة بالحصول على بطائق الإنعاش الوطني أو توفير فرص عمل مؤقتة في الجماعات الترابية في الداخلة.
وفي هذا السياق، عمل المجلس ولجانه الجهوية على اتخاذ مجموعة من التدابير لتعزيز الحق في التجمع السلمي وحمايته، من خلال عمليات الوساطة، والحوار مع المحتجين، والاستماع إلى الشهود، والتواصل مع السلطات المعنية، وملاحظة المحاكمات التي تمت فيها متابعة محتجين أو زيارة أماكن حرمانهم من الحرية.
وأشار المجلس إلى أن غالبية الاحتجاجات كانت سلمية، رغم عدم تقديم المنظمين طلبات رسمية للترخيص، وأن تدخل القوات العمومية اقتصر على حالات محدودة في الرباط وتطوان وأسا وتازة وسوق السبت باستخدام خراطيم المياه أو القوة الجسدية عند الاقتضاء، ما أدى أحياناً إلى توقيف متظاهرين ونقل المصابين إلى المستشفى ومتابعة بعض المحتجين قضائياً، كما تم منع مظاهرات في الدار البيضاء وتطوان وفاس وأزيلال وأسا، وأحياناً تنظيم مظاهرات رغم قرار المنع، وذلك للحفاظ على النظام العام وعدم تقديم تصريح مسبق.
ورصد المجلس تنامياً في دينامية التنسيقيات المهنية التي أصبحت أكثر نشاطاً في تنظيم وتأطير التجمعات السلمية، مع لجوء متزايد للفضاء الرقمي من أجل التعبئة، إضافة إلى تنامي الاحتجاجات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومطالبة المشاركين بتحسين الأوضاع المعيشية والمهنية وضمان العدالة الاجتماعية وتعزيز حقوق بعض الفئات المجتمعية.
وأشار المجلس إلى أن زيادة وتيرة الاحتجاجات تنبع من الفجوة بين الإطار القانوني الحالي ومتطلبات الديناميات الجديدة للفعل الاحتجاجي، وتطور وعي المواطنين بحقوقهم، حيث أصبح الاحتجاج السلمي أداة رئيسية للضغط على السلطات لتحسين ظروف المعيشة، مؤكداً على ضرورة التصدي للأسباب الجذرية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لتعزيز استقرار الفضاء العام والثقة بين المواطنين والمؤسسات.
وفيما يخص التوصيات، شدد المجلس على مراجعة المقتضيات القانونية المتعلقة بالتجمعات العمومية والتظاهر السلمي لتتلاءم مع الدستور والمعايير الدولية، واستبدال العقوبات السالبة للحرية بالغرامات المالية، وعدم إخضاع الحق في التظاهر لتقييدات غير الدستورية والقانونية، والالتزام بالتفسيرات الجديدة للتجمعات السلمية بما فيها الاحتجاجات عبر الإنترنت، مع فتح إمكانية التصريح القبلي لتنظيم المظاهرات عبر البريد الإلكتروني، وتدبير الاحتجاجات التي لم تخضع للإجراءات الرسمية وفق مقاربة المسؤولية المشتركة لضمان سلميتها.
المصدر:
العمق