آخر الأخبار

من التجسس إلى الضربات .. الذكاء الاصطناعي لاعب خفي في الحروب

شارك

في خضم الحرب الجارية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد المعارك تحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخوارزميات أيضا. فقد بات الذكاء الاصطناعي لاعبا خفيا لكنه شديد التأثير في مسار الصراعات الحديثة، من تسريع اتخاذ قرارات الضربات العسكرية إلى تحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية في وقت قياسي.

تشير تقارير دولية إلى أن استخدام هذه التقنيات ساهم في تسريع تنفيذ العمليات العسكرية، حتى وصف المشهد بدخول عصر “القصف بسرعة الفكرة”. وبين تتبع مواقع القادة عبر أدوات تحليل البيانات، والتجسس على الاتصالات، وتوجيه الضربات بدقة أكبر، يتأكد أن الحروب المعاصرة تشهد تحولا عميقا تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد رسم قواعد الصراع في العالم.

الصراعات الدولية

أوضح زهير الخديسي، خبير في الذكاء الاصطناعي، أن “النزاعات الأخيرة أصبحت في الغالب متركزة على ثلاثة مجالات أساسية؛ يتعلق المجال الأول بالمواد النادرة التي تُستعمل في بناء الحواسيب الضخمة والشرائح الرقمية الدقيقة، التي تصنعها تايوان وتُعد من أبرز أسباب التوتر القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين حول الجزيرة. أما المجال الثاني فيرتبط بأمن البيانات؛ إذ أصبح الأمن البياني يشكل هاجسا بالنسبة للولايات المتحدة، التي فرضت قيودا على تطبيق شركة تيك توك تخوفًا من جمع بيانات مواطنيها، كما منعت شركات صينية مثل هواوي من نشر شبكات الجيل الخامس الخاصة بها في عدد من دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية”.

وأبرز الخديسي، في تصريح لهسبريس، أن “الذكاء الاصطناعي قبل أن يكون حاضرا في التقنيات الحربية، أصبح سببا رئيسيا في العديد من الصراعات. فالصراعات حول الموارد الطاقية التي شهدناها في فنزويلا وغرينلاند تدخل في هذا السياق ويعزى إلى الدور الذي تؤديه الموارد الطاقية في تشغيل الخوادم ومراكز تحليل البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، حيث إن غرينلاند مثلا تتيح إمكانيات كبيرة لتبريد هذه المراكز بفضل برودة مناخها”.

أشار الخبير في الذكاء الاصطناعي إلى القصف الأخير الذي نفذته إيران واستهدف مراكز لتحليل الذكاء الاصطناعي في السعودية والإمارات، من بينها مركز تابع لشركة “أمازون” العالمية، وهو ما يبرز، بحسبه، الدور الذي بات يلعبه هذا القطاع في خلق توترات بين الدول نظرًا لأهميته في تعزيز القدرات العسكرية في أزمنة الحرب.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أثناء الحروب يستخدم بكثرة في أنشطة التجسس، مستحضرا استخدام كاميرات المراقبة التي تم الولوج إلى بياناتها وتحليلها بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، من أجل تحديد تحركات وأماكن توجه القيادات الأساسية في إيران، بهدف تنفيذ ضربات تستهدف مواقع تواجد المرشد الأعلى. كما استُخدمت، وفق المتحدث ذاته، مجموعة من التقنيات لخداع أنظمة الذكاء الاصطناعي، من خلال استعمال رسومات ثلاثية الأبعاد لدفع الطائرات بدون طيار إلى قصف مواقع محددة.

وفي حديثه عن الاستثمارات في هذا المجال، استحضر الخديسي دور الشركات العالمية التي تقدم دعما عسكريا للدول عبر هذه التقنيات، مثل شركة “بالانتير” الأمريكية، التي تتجاوز قيمتها السوقية عشرات المليارات. وأوصى بأن يستثمر المغرب في هذا المجال، الذي يمثل مستقبل الصناعات العسكرية، والذي أعاد تشكيل مفهوم التفوق الأمني في العالم.

الابتكار وسلسلة القتل

قال مهدي عامري، خبير في الذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي، إن “الأزمات الجيو-سياسية أصبحت بمثابة مختبرات مفتوحة لتجريب هذه التقنيات؛ فالحرب الروسية الأوكرانية تحولت إلى حقل تجارب عالمي حينما طور المهندسون الأوكرانيون أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تدريب الطائرات المسيّرة باستخدام ملايين الساعات من تسجيلات الطيران، ما يسمح لها بتجنب التشويش الإلكتروني وتحديد الأهداف بدقة أكبر. وفي الشرق الأوسط، بعض الأنظمة الجديدة للطائرات الاعتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتم نشرها اليوم في المنطقة بعد أن جُرّبت في أوكرانيا لمواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية”.

وزاد الخبير في الذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي، في تصريح لهسبريس، أن “بعض الخبراء يحذرون من أن الذكاء الاصطناعي يسرع ما يسمى في العلوم العسكرية ‘سلسلة القتل’، أي الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة، وهو ما يزيد من مخاطر الأخطاء والضحايا المدنيين”.

وبخصوص فهم الظاهرة اقتصاديا، قال مهدي عامري إن كل صراع عسكري اليوم يولد طلبا هائلا على الخوارزميات العسكرية والطائرات المسيرة وأنظمة تحليل البيانات، لهذا نشهد طفرة غير مسبوقة في الاستثمارات في الشركات التي تطور تقنيات دفاعية ذكية؛ فقبل أيام فقط أعلنت صناديق استثمار كبرى عن استثمار مليارات الدولارات في شركة “أدوريل” المتخصصة في هذا المجال، وهو ما رفع قيمتها السوقية إلى نحو ستين مليار دولار، كما شهدت أسهم شركات السلاح الإسرائيلية التي توفر أنظمة ذكية ارتفاعا كبيرا.

وأوضح عامري أن “التاريخ يعلمنا أن كثيرا من الابتكارات الكبرى ولدت في زمن الحرب، من الرادار إلى الإنترنت. وربما لهذا السبب يحذر بعض الباحثين من دخول العالم مرحلة ‘الحرب الخوارزمية’، حيث لا يكون الصراع بين الجيوش فقط، بل بين الأنظمة الذكية التي تدير المعركة. والحروب المعاصرة لم تعد فقط نتيجة للصراعات الجيو-سياسية بل أصبحت أيضًا جزءًا من اقتصاد عالمي قائم على الابتكار العسكري. فالأزمات الدولية تخلق طلبا ضخما على التكنولوجيا الدفاعية، وهذا الطلب يغذي بدوره استثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي العسكري. وهكذا نجد أنفسنا أمام دائرة معقدة حيث تغذي الحرب التكنولوجيا، وتغذي التكنولوجيا بدورها القدرة على خوض حروب أكثر تعقيدا وسرعة”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا