أكد أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أن الأرقام التي تحققت خلال السنوات الأخيرة في قطاع الصحة تعكس تحولاً جذرياً وغير مسبوق في مسار إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، معتبراً أن ما تم إنجازه يمثل خطوة أساسية في بناء الدولة الاجتماعية كما أرادها الملك محمد السادس، بما يضمن حقوق المواطنين وكرامتهم ويعزز حقهم في الولوج إلى العلاج.
وأبرز التهراوي، في كلمة له خلال أول لقاء لمسار المستقبل لحزب التجمع الوطني للأحرار حول المنظومة الصحية، أمس السبت بمدينة الصخيرات، أن الحديث عن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن يتم دون التنويه بمكانة مهنيي الصحة، ولا سيما العاملين في القطاع العام، الذين يشكلون العمود الفقري للمنظومة الصحية الوطنية، ويجدهم المغاربة دائماً في الصفوف الأمامية عند الحاجة، كما كان الحال خلال جائحة كورونا، بفضل ما يتحلون به من مستوى عال من المهنية والكفاءة وروح المسؤولية الوطنية في خدمة الوطن والمواطنين.
وأضاف أن مهنيات ومهنيي الصحة يضطلعون بدور محوري في إنجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية، معتبرا أن ما تحقق يعد إنجازاً مهماً جداً وغير مسبوق في التاريخ السياسي والمؤسساتي للمغرب، لأنه يشكل عملاً تأسيسياً حقيقياً لبناء الدولة الاجتماعية، من خلال حفظ حقوق المغاربة وضمان كرامتهم بما يكفل لهم الحق في العلاج، والعمل في الوقت نفسه على تحقيق السيادة الصحية للمملكة، وفق تعبيره.
وأوضح التهراوي أن الحصيلة المحققة حول إصلاح المنظومة الصحية تكشف حجم التحول الذي شهده القطاع، مبرزاً أن أولى ركائز هذا الإصلاح تمثلت في الإصلاح التشريعي والتنظيمي، حيث تم إصدار ما مجموعه 497 نصاً تشريعياً وتنظيمياً خلال هذه المرحلة، من بينها 17 قانوناً و52 مرسوماً و428 قراراً وزارياً، وهو ما يعكس كثافة الإصلاح التشريعي الذي عرفه القطاع.
وأشار الوزير إلى أن من أبرز النصوص القانونية التي صدرت في هذا الإطار القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، والقانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بإصلاح المنظومة الصحية، إضافة إلى القوانين المؤطرة لإحداث عدد من الهياكل الجديدة، وفي مقدمتها الهيئة العليا للصحة، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، فضلاً عن المجموعات الصحية الترابية، معتبراً أن هذه المنظومة المؤسساتية الجديدة تمثل إطاراً متكاملاً لترسيخ إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز أسس الدولة الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالمحور الثاني من الإصلاح، المرتبط بمنظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، أكد التهراوي أن المغرب حقق تعميماً غير مسبوق للحماية الاجتماعية، حيث بلغت نسبة التغطية الصحية الفعلية 98 في المائة من السكان سنة 2025، أي ما يفوق 32 مليون مستفيد، مقابل 42 في المائة فقط سنة 2020.
وأوضح أن هذا التعميم شمل جميع الفئات الاجتماعية، من موظفي القطاع العام وموظفي القطاع الخاص، إلى المستفيدين من نظام “أمو تضامن” الذين لا يمكنهم تحمل كلفة الحماية الاجتماعية ويبلغ عددهم حوالي 11.4 مليون مستفيد، إضافة إلى العمال المستقلين وأصحاب المهن الحرة وغير الأجراء، مؤكداً أن هذا الإصلاح جعل من حق كل مواطنة ومواطن في المغرب، مهما كانت وضعيته الاجتماعية، الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض، وهو ما يشكل مكسباً مهماً وقوياً.
وأشار التهراوي إلى أن البرنامج الحكومي للفترة 2021-2026 تضمن التزاماً برفع ميزانية قطاع الصحة، مؤكداً أن هذا الالتزام تحقق بالفعل، حيث انتقلت الميزانية من 20 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 40 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة تفوق 100 في المائة، وهو ما مكن من تسريع وتيرة الإصلاح في عدد من المحاور الأساسية.
وفي ما يخص البنية التحتية الصحية، سجل الوزير ارتفاعاً في الطاقة السريرية الإجمالية بنسبة تقارب 15 في المائة، إلى جانب إطلاق عدد من المشاريع التي لا تزال قيد الإنجاز وستسهم في رفع الطاقة الاستيعابية للمستشفيات خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن هذه المشاريع شملت مختلف مستويات البنية التحتية الصحية، من بينها المستشفيات الجامعية، حيث تم افتتاح المركزين الاستشفائيين الجامعيين بأكادير وطنجة، فيما تتواصل الأشغال في مركزي العيون والرباط، إضافة إلى أوراش أخرى مفتوحة في بني ملال والراشيدية وكلميم، يرتقب افتتاحها خلال السنتين المقبلتين.
كما شملت المشاريع المستشفيات الإقليمية والجهوية، حيث تم إنجاز 22 مشروعاً خلال هذه الفترة، من بينها مستشفى إقليمي بالقنيطرة بطاقة 455 سريراً، ومستشفيات أخرى بالحسيمة وتنغير، مبرزاً أن مستشفى تنغير يعد من المشاريع المهمة لأنه أنجز في منطقة لم تكن تتوفر من قبل على مستشفى، بطاقة استيعابية تصل إلى 120 سريراً.
وفي السياق نفسه، أشار الوزير إلى إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل 91 مستشفى بغلاف مالي إجمالي يقدر بنحو 6 مليارات درهم، بهدف تحسين جودة الخدمات الصحية وظروف استقبال المرضى، إضافة إلى إعادة تأهيل 1400 مركز صحي أولي، مشيراً إلى أن 70 في المائة من هذه المراكز توجد في المناطق القروية أو النائية، وقد تم تصميمها وفق معايير حديثة وتجهيزها بالحد الأدنى من التجهيزات الطبية الضرورية، بما يضمن اعتماد معيار جديد للمراكز الصحية الأولية.
وعلى مستوى الموارد البشرية، أكد التهراوي أن الإصلاح شمل تعزيز منظومة التكوين والتوظيف والتحفيز، من خلال إحداث أربع كليات جديدة للطب والصيدلة في العيون وبني ملال والداخلة وكلميم، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 19 كلية على المستوى الوطني، إلى جانب رفع عدد المقاعد البيداغوجية في كليات الطب ومعاهد تكوين الممرضين والتقنيين الصحيين.
وأشار إلى وجود تناغم بين مشاريع كليات الطب الجديدة والمراكز الاستشفائية الجامعية المرتبطة بها، مستشهداً بكلية الطب بالعيون التي يجري العمل على افتتاح مركزها الاستشفائي الجامعي بتنسيق بين الجهات المعنية.
وسجل الوزير أيضاً ارتفاعاً مهماً في عدد مهنيي الصحة، حيث زاد بأكثر من 30 في المائة بين سنتي 2020 و2025، ليبلغ العدد حالياً نحو 95 ألف مهني، مع برمجة 8000 منصب جديد في قانون المالية لسنة 2026، مقارنة بـ5500 منصب سنة 2025.
وأضاف أن هذا الإصلاح شمل كذلك الزيادة في أجور مهنيي الصحة، حيث استفادت مختلف الفئات من زيادات تراوحت ما بين 2000 و9000 درهم حسب الدرجات، معتبراً أن المقاربة المعتمدة في هذا المجال قامت على أربعة محاور متكاملة تشمل التكوين والتوظيف والتحفيز وتحسين الوضعية المهنية.
وفي ما يتعلق بالحكامة، أوضح التهراوي أن الإصلاح يهدف إلى إرساء نموذج جديد لحكامة المنظومة الصحية، من خلال إحداث مؤسسات جديدة، من بينها الهيئة العليا للصحة التي تتولى تأطير القطاع، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية التي تعنى بتنظيم قطاع الأدوية وتعزيز السيادة الدوائية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته لضمان الأمن الدموي وتحسين جودة الخدمات المرتبطة به.
كما أشار إلى إطلاق المجموعات الصحية الترابية، حيث تم إعطاء الانطلاقة لأول مجموعة في أكتوبر 2025 بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، على أساس تعميم هذه التجربة على جميع جهات المملكة خلال سنة 2026.
وتطرق الوزير أيضاً إلى ورش رقمنة المنظومة الصحية، مؤكداً أن العمل خلال سنة 2025 ركز على توحيد الأنظمة المعلوماتية وربط أنظمة المراكز الاستشفائية الجامعية بالمستشفيات الجهوية والإقليمية والمراكز الصحية، كما تم الشروع في تجربة الربط المعلوماتي بجهة طنجة، وهو ما سيمكن مستقبلاً من اعتماد الملف الطبي المشترك وتسهيل مسار العلاج بالنسبة للمواطنين.
وختم التهراوي بالتأكيد على أن ما تحقق في قطاع الصحة خلال هذه المرحلة لا يمثل مجرد حصيلة حكومية عادية، بل يشكل تحولاً جذرياً مهماً في مسار بناء الدولة الاجتماعية، من شأنه ترسيخ مبادئ الإنصاف في الولوج إلى العلاج وتقريب الخدمات الصحية من المواطنات والمواطنين وتحسين جودتها بالشكل الذي ينتظره المغاربة.
المصدر:
العمق