في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أحمد بوز، أن إصلاح منظومة العدالة في المغرب يظل مرتبطاً بشكل وثيق بالمدخل الدستوري، معتبراً أن الدستور يشكل الإطار الحاسم لتحديد موقع القضاء داخل توازن السلط وضمان استقلاليته، غير أن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من مستوى النصوص إلى مستوى الممارسة الفعلية.
وخلال مداخلة تناولت البعد الدستوري لإصلاح العدالة، أوضح بوز ضمن ندوة رمضانية نظمها الفرع الإقليمي لفيدرالية اليسار الديمقراطي بالرباط، أنه حاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية يطرحها هذا الموضوع، أولها سبب مركزية المدخل الدستوري في أي إصلاح لمنظومة العدالة، وثانيها استمرار النقاش حول هذا المدخل رغم المستجدات التي جاء بها دستور 2011 المغربي، وثالثها الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل الأساس الدستوري إلى رافعة فعلية لتجاوز أعطاب العدالة في المستقبل.
وأوضح المتحدث أن العلاقة بين الدستور وإصلاح العدالة تقوم على ثلاث ركائز أساسية. أولها أن الدستور هو الذي يحدد موقع السلطة القضائية داخل توازن السلط، ويضبط طبيعة علاقتها بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، كما يفترض فيه معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة ببنية السلطة، وليس فقط الجوانب التقنية أو الإجرائية المرتبطة بتدبير المرفق القضائي.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في أن الدستور يضمن استقلال القضاء واستمرارية الإصلاح، إذ إن الاستقلال القضائي يحتاج إلى حماية دستورية وليس مجرد تنظيم قانوني، كما يوفر الدستور آليات لحماية القضاة من مختلف أشكال التدخل أو الضغط، ويضمن استقرار مسار الإصلاح وعدم خضوعه للتقلبات السياسية أو لتغير مواقف الفاعلين.
وتتجلى الركيزة الثالثة، بحسب بوز، في كون الدستور يشكل الضامن الأساسي لحماية الحقوق والحريات، حيث إن القضاء يمثل الآلية العملية لتفعيل الحقوق الدستورية، بينما يكرس الدستور مبادئ المحاكمة العادلة والأمن القضائي والمساواة أمام القانون، بما يعزز الثقة في العدالة باعتبارها أحد أسس الشرعية المؤسساتية.
ورغم هذه المكانة المركزية للدستور، يرى بوز أن النقاش حول المدخل الدستوري لإصلاح العدالة ما يزال قائماً لعدة أسباب. أولها الفجوة القائمة بين “الدسترة” والتفعيل، أي الانتقال من النصوص الدستورية إلى الممارسة القضائية. وأشار في هذا السياق إلى استمرار بعض الاجتهادات القضائية القديمة، مثل ما يتعلق بعدم إمكانية الطعن في بعض الظهائر الملكية بدعوى الشطط في استعمال السلطة، رغم ما يتيحه الدستور من ضمانات في هذا المجال.
كما سجل استمرار اختلالات عملية تتعلق ببطء وتعقيد المساطر القضائية وصعوبات تنفيذ الأحكام، إلى جانب محدودية الأثر الواقعي لبعض الإصلاحات المؤسساتية، رغم إحداث هيئات جديدة مثل المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وفي السياق ذاته، اعتبر بوز أن مسألة فصل السلط ما تزال تطرح إشكالات على مستوى التأويل والممارسة، إذ إن الدستور يقدم هذا المبدأ كأساس للنظام الدستوري، غير أن القراءة الشاملة للمعمار الدستوري تظهر، حسب قوله، وجود نوع من الالتباس في تحديد حدود هذا الفصل، خصوصاً في ما يتعلق بممارسة السلطة التنفيذية.
وأضاف أن استقلال القضاء لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام، مشدداً على وجود علاقة وثيقة بين إصلاح العدالة والمناخ الديمقراطي. فاستقلال القضاء، بحسب تعبيره، يرتبط أيضاً بحرية الصحافة واستقلالية الأحزاب السياسية وفعالية المؤسسة التشريعية، باعتبارها عناصر داعمة لقيام سلطة قضائية مستقلة.
كما توقف عند ما وصفه بالتحدي الثقافي، معتبراً أن إصلاح العدالة لا يقتصر على القوانين والمؤسسات، بل يتطلب ترسيخ ثقافة قضائية جديدة تقوم على الجرأة في الاجتهاد، وحماية الحقوق، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون.
وفي ما يتعلق بآفاق الإصلاح، دعا بوز إلى تعزيز وضوح وفعالية الهندسة الدستورية للسلطة القضائية، من خلال تقوية مبدأ فصل السلط وتدقيق توزيع الاختصاصات بين الفاعلين داخل المنظومة القضائية، خاصة بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة.
كما شدد على ضرورة توضيح الإطار المؤسساتي للسياسة الجنائية وتحديد الجهة المخول لها رسمها وآليات خضوعها للمساءلة الديمقراطية، باعتبارها جزءاً من السياسات العمومية.
وخلص المتحدث إلى أن جعل الدستور رافعة حقيقية لإصلاح العدالة يمر أيضاً عبر تكريس الاستقلال المؤسساتي للقضاء مقابل حكامة فعالة، تقوم على نظام واضح للمساءلة وتعزيز الاستقلال المالي للسلطة القضائية، إضافة إلى تطوير أدوات موضوعية لتقييم الأداء القضائي.
كما دعا إلى “دسترة النجاعة والأمن القضائي”، عبر ضمان البت في القضايا داخل آجال معقولة، وتسهيل الولوج الفعلي إلى العدالة، وتعزيز جودة الخدمات القضائية، إلى جانب تفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، وتحويل المبادئ الدستورية إلى ممارسة مؤسساتية وثقافة مهنية يومية داخل منظومة العدالة.
المصدر:
العمق