آخر الأخبار

إهانة الجالية المغربية.. تصريحات وزير الصناعة والتجارة تُسقط آخر أوراقه ورحيله أصبح حتميا

شارك

إدريس السدراوي

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الصناعة والتجارة رياض مزور موجة غضب عارمة في أوساط مغاربة العالم وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعدما استعمل عبارة وُصفت بالمستفزة من قبيل “بوزعط” في سياق التقليل من الدعوات المطالِبة بتوجيه الشكر للجالية المغربية على استثماراتها ومساهماتها الاقتصادية. ولم يكتف الوزير بذلك، بل اعتبر أن مساهمات المغاربة المقيمين بالخارج ليست “هدايا” بل مجرد واجب وطني لا يستدعي أي ترحيب خاص.

هذه التصريحات لم تكن مجرد زلة لسان عابرة، بل شكلت في نظر كثيرين إهانة مباشرة لملايين المغاربة الذين يعيشون خارج الوطن ويساهمون يومياً في دعم اقتصاده وتعزيز حضوره الدولي. وهي تصريحات تعكس، في العمق، أزمة في فهم دور الجالية ومكانتها داخل المشروع الوطني.

الوزير بين التصريحات والإنجازات

ما يثير الاستغراب والغضب في آن واحد ليس فقط طبيعة العبارات المستعملة، بل أيضاً السياق الذي صدرت فيه. فمن حق الرأي العام أن يتساءل اليوم بوضوح: ما الذي قدمه الوزير للاقتصاد الوطني حتى يسمح لنفسه بالتقليل من شأن جالية تُعد أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي للمغرب؟

أين هي الطفرة الصناعية التي وعد بها؟ وأين هي الإصلاحات العميقة التي كان يفترض أن تجعل المغرب قطباً استثمارياً جاذباً؟ وهل استطاع فعلاً أن يخلق بيئة اقتصادية تحد من هجرة الكفاءات وتستقطب الاستثمارات الكبرى؟

إن المسؤول العمومي الذي يعجز عن تقديم حصيلة قوية وملموسة، لا يملك أي شرعية أخلاقية أو سياسية للتقليل من شأن فئة من المواطنين الذين يضخون سنوياً مليارات الدراهم في الاقتصاد الوطني.

الجالية المغربية… ثروة وطنية لا تقبل الإهانة

إن اختزال دور مغاربة العالم في مجرد تحويلات مالية هو تبسيط فجّ لواقع غني ومركب. فالجالية المغربية تضم أجيالاً من الكفاءات والخبرات المنتشرة في مختلف القارات، وهي حاضرة بقوة في مجالات الرياضة والفن والبحث العلمي والطب والهندسة والصناعة والاستثمار.

لقد رفع أبناء الجالية راية المغرب في كبريات الجامعات والمؤسسات الدولية، وأسهموا في إشعاعه الثقافي والعلمي والاقتصادي. كما يلعبون دوراً محورياً في الدفاع عن قضايا الوطن في بلدان إقامتهم، سواء في الفضاءات السياسية أو الإعلامية أو الأكاديمية.

إنهم سفراء حقيقيون للمغرب في العالم، وثروة بشرية واستراتيجية ينبغي الحفاظ عليها وتعزيز صلة الوصل بينها وبين وطنها الأم. لذلك فإن التعامل معهم بمنطق الاستعلاء أو التقليل من شأنهم ليس فقط خطأ سياسياً، بل خطأ وطني جسيم يمس بصورة المغرب وكرامة مواطنيه.

بين خطاب الملك وسياسة اللامبالاة

الأكثر إثارة للاستغراب أن هذه التصريحات تأتي في تناقض صارخ مع التوجهات التي أكد عليها مراراً الملك محمد السادس، والذي شدد في عدة خطب على الأهمية الاستراتيجية للجالية المغربية ودورها الحيوي في التنمية الوطنية.

فالمغرب أقر يوماً وطنياً للمهاجر تكريماً لمغاربة العالم، كما أطلق مبادرات متعددة لتحسين ظروف استقبالهم خلال عودتهم الصيفية إلى أرض الوطن، في رسالة واضحة مفادها أن الجالية جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني.

غير أن تصريحات الوزير تعكس، للأسف، سياسة مغايرة تقوم على اللامبالاة والاستخفاف بدور هذه الفئة. وبين الرؤية الملكية التي تعتبر الجالية رافعة للتنمية، وبين خطاب الوزير الذي يقلل من شأنها، تظهر فجوة خطيرة في فهم موقع مغاربة العالم داخل السياسات العمومية.

رحيل الوزير أصبح ضرورة سياسية وأخلاقية

إن ما صدر عن وزير الصناعة والتجارة لا يمكن اعتباره مجرد تصريح عابر، بل هو خطأ سياسي فادح يضرب في العمق العلاقة بين الدولة وجاليتها في الخارج. فالمسؤولية الحكومية تقتضي لغة مسؤولة تحترم المواطنين، لا خطاباً يستفزهم ويستخف بتضحياتهم.

ولهذا فإن المرحلة الحالية تفرض تحمّل المسؤولية السياسية كاملة، لأن استمرار الوزير في منصبه بعد هذه التصريحات لا يسيء فقط إلى الحكومة، بل يبعث رسالة سلبية إلى ملايين المغاربة في الخارج الذين ينتظرون من دولتهم الاعتراف بدورهم واحترام كرامتهم.إن رحيل الوزير اليوم لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح حتمية أخلاقية وسياسية لاستعادة الثقة مع الجالية المغربية وتصحيح صورة المؤسسات العمومية. فمغاربة العالم ليسوا عبئاً على الوطن، بل هم أحد أعمدته الأساسية، وأي مسؤول لا يدرك هذه الحقيقة البسيطة لا يمكنه أن يستمر في موقع المسؤولية.

رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا