هبة بريس – ياسين الضميري
مع مرور الأشهر بدأت ألاحظ تفاصيل التعامل مع الحراس والقوانين اليومية بشكل أعمق، لم يكن الأمر سهلا فكل حركة وكل خطوة كانت مراقبة، وكل كلمة قد تحمل ثمنا لم أكن أعلم متى سيظهر.
الحراس ليسوا أعداء شخصيين بالمعنى المباشر، لكن القوة كانت واضحة، وكل واحد منا يعرف موقعه داخل هذا النظام، هذا العالم الصغير أصبح مدرسة صعبة، يعلمك الحذر والصبر وفن قراءة المواقف قبل أن تتحرك، وفن إدارة نفسك بين قيود غير مرئية.
في البداية كان أي لقاء مع الحراس يثير قلقي الشديد، حتى أبسط الأسئلة عن الطعام أو النظافة أو الفحص اليومي كانت تسبب لي توترا داخليا لا يمكن وصفه، كل خطوة كانت تحمل احتمالا للتوبيخ، كل كلمة محتملة لأن تتحول إلى مشكلة أكبر.
تعلمت داخل المؤسسة بسرعة أن أتكلم بصوت منخفض، أن أتحرك بهدوء، أن ألتزم بالقوانين مهما بدت صغيرة، لأن أي تجاهل أو تسرع قد يضاعف العواقب.
بعض الحراس كانوا صارمين جدا، لا يرحمون أي مخالفة، وأحيانا كانت نظراتهم وحدها كافية لزرع الخوف في النفس، آخرون كانوا يحاولون أن يكونوا ودودين لكنهم تحت مراقبة النظام، فلا يمكن الاعتماد على اللطف المطلق.
تعلمت قراءة النبرة، ملاحظة الحركات الصغيرة، وكيف يمكن لأي تجاهل أو تحد أن يتحول إلى مشكلة كبيرة، مع الوقت أصبحت أعرف متى أتكلم ومتى أصمت، وكيف أحمي نفسي دون أن أفقد كرامتي، وكيف يمكن لكل تصرف صغير أن يصنع فارقا كبيرا في حياتي اليومية.
كانت هناك مواعيد ثابتة لكل شيء، الطعام في ساعات محددة، الفحص الدوري للزنزانة، التمرين، النوم، أي تأخير أو خطأ كان يسبب توبيخا أو عقوبة بسيطة، لكن في عالم السجن كل شيء يترك أثره النفسي، حتى أشياء بسيطة مثل ترتيب السرير أو وضع البطانية بشكل صحيح أصبحت مهمة لأنها كانت جزءا من حياتك اليومية.
كل يوم كان درسا في ضبط النفس والانضباط، تعلمت أن أدير طاقتي ومشاعري وأخطط لكل تحركاتي بحذر شديد، وأن أكون صبورا حتى مع أقل التفاصيل التي قد تبدو غير مهمة لمن في الخارج.
في البداية، كان الحديث مع الآخرين محدودا جدا، كنت أراقب، أستمع، أحاول فهم كل حركة أو كلمة، لاحظت أن بعض الرجال يتحدثون بصوت منخفض جدا، يحذرون من أي تصرف قد يلفت انتباه الحراس، بعضهم يضحك أحيانا بصوت خافت، وبعضهم يتحدث مع نفسه بهدوء، وكأن هذا هو وسيلتهم للتعامل مع الضغط النفسي المستمر.
كنت أتعلم من كل تصرف، أستوعب كيف يتصرفون مع النظام، وكيف يوازن كل واحد بين الحفاظ على نفسه وبين أي مخاطرة قد تؤدي إلى مشاحنات أو عقوبات.
مع مرور الوقت بدأت أفهم أن التعامل مع الحراس ليس فقط مسألة الامتثال للقوانين، بل فن كامل يحتاج إلى قراءة دقيقة، تعلمت أن ابتسامة صغيرة أو تحية هادئة يمكن أن تمنحك لحظات أمان، وأن أي تحدي أو غضب علني يمكن أن يضاعف معاناتك.
بدأت ألاحظ الفروق الدقيقة بين الحراس، من يتعمد الصرامة، ومن يمكن أن يخفف العقوبة أحيانا، كل يوم أصبح اختبارا جديدا للذكاء النفسي والصبر والتحكم في الانفعالات.
كانت هناك لحظات يصعب فيها التحكم في الغضب أو الإحباط، أحيانا كنت أرى رجالا يعانون من الظلم أو يواجهون العقوبات بدون سبب واضح، وأشعر بالعجز التام، لكن مع مرور الوقت تعلمت أن أبتعد عن أي خلاف لا يفيد، وأن أختار معاركي بعناية، وأن أضع حدودا لنفسي قبل أن يفرضها علي أحد، كل تجربة هنا كانت درسا في فن البقاء على قيد الحياة داخل هذا العالم الصغير.
في الزنزانة أصبحت العلاقات مع الآخرين أكثر ذكاءا وتعقيدا، كنت أشارك بعض الرجال الملاحظات عن الحراس والقوانين، نضع استراتيجيات صغيرة لتجنب المشاحنات، ونتعلم من أخطاء بعضنا البعض.
بدأت أفهم أن الصداقات هنا ليست كما في الخارج، بل هي شبكة دعم ضرورية للبقاء، كل منا يعرف أن البقاء يعتمد على الانتباه والمراقبة والتعاون أحيانا، تعلمت أن أوازن بين الثقة والحذر، بين المساعدة والتراجع، وأن أبني علاقة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة داخل الزنزانة.
مع كل أسبوع كنت أشعر أنني أبدأ في فهم الحياة داخل السجن بشكل أفضل، لم يعد الصمت قاتلا بنفس القوة التي كان عليها في الأيام الأولى، ولم تعد الوحدة تثقل على نفسي بنفس القدر، كنت أجد لنفسي مساحة صغيرة للحرية النفسية رغم القيود، أمارس التفكير، أحتفظ بذكرياتي الخاصة، وأتعلم كيف أعيش مع الألم والحنين بطريقة تجعلني قادرا على الاستمرار.
كنت ألاحظ أيضا أن الحنين للعائلة لا يختفي أبدا، بل يرافقك في كل لحظة، حتى وسط هذه العلاقات الجديدة، كانت صور ابنتاي و أمهما ترافقني، تدفعني للصبر، وتعلمني كيف أحول الألم إلى قدرة على التحمل، كنت أتعلم كيف أوازن بين عالميين، العالم الذي فقدته والعالم الجديد الذي أعيشه خلف القضبان.
مع مرور الأشهر، أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع قوانين الحياة اليومية داخل السجن، فهمت كيف يمكن للإنسان أن يجد لنفسه مساحات صغيرة من الأمل، كيف يدير المشاعر السلبية، وكيف يحافظ على إنسانيته رغم كل القيود، تعلمت أن لكل يوم قيمة، وأن كل تجربة، مهما كانت صغيرة أو مؤلمة، يمكن أن تعلمك شيئا مهما عن نفسك وعن الحياة.
-يتبع-
المصدر:
هبة بريس