نزل إلى رفوف عدد من مكتبات المغرب كتاب “من الفكر إلى السياسة: مدارات الفكر العربي وأسئلة الراهن السياسي”، للباحث سفيان جرضان؛ فيما يأتي “امتداداً لمسار أكاديمي يتسم بانشغاله العميق بأسئلة الدولة والمعرفة والتحول السياسي في السياق العربي”.
وأكدت معطيات عن الكتاب، توصلت بها هسبريس، أن “هذا العمل لا يأتي بوصفه استكمالا تقنيا لمسار جامعي سابق، وإنما باعتباره انتقالا واعياً من الاشتغال المتخصّص في ديناميات المجال الحزبي إلى مساءلة البنية الفكرية التي تؤطر الفعل السياسي ذاته، في لحظة عربية تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع تحولات السلطة والمجتمع”.
وقبل هذا الإصدار الذي صاغ تقديمه الأكاديمي حسن طارق كان المؤلِّف نشر كتابه “التأثير والتأثير المضاد: الاستقطاب السياسي للأفراد داخل المجال الحزبي بالمغرب 1975-2022″؛ وهو العمل الذي استند إلى أطروحة دكتوراه نال عنها درجة دكتور في العلوم السياسية من جامعة محمد الخامس بالرباط؛ فيما قال صاحبه لهسبريس معلقاً: “إذا كان ذلك الكتاب انشغل بتحليل آليات الاستقطاب السياسي داخل الحقل الحزبي المغربي فإن العمل الجديد يوسّع زاوية النظر، ليعود إلى سؤال أكثر تركيباً: كيف تتشكل المدارات الفكرية التي تؤطر السياسة العربية؟ وكيف تتداخل المعرفة والإيديولوجيا في إنتاج تصور مخصوص للدولة والتقدم والحداثة؟”.
وفي هذا المستوى يتوقف الكتاب عند أطروحات برهان غليون التي تربط “إرهاص الدولة في السياق العربي بالدعوة المحمدية وبالأزمة السياسية التي عرفها الإسلام في زمن ‘الفتنة الكبرى'”، مبرزا أن “العلاقة بين الدين والسياسة لم تكن طارئة في التاريخ العربي، وإنما شكلت لحظة تأسيسية”، وأردف معلقاً: “من هنا يتشعب التحليل بين نموذج دولة نشأت بمعزل عن الدين وأخرى أفرزها المسار الديني ذاته، ليقترح المؤلف تمريناً نظرياً لفهم جوهر الدولة بعيدا عن الثنائيات الاختزالية”.
النقاش في المؤلف يمتد إلى “مشاريع الإصلاح والنهضة”، حيث تتجاذب الساحة الفكرية اتجاهات تدعو إلى استعادة المرجعية الدينية بوصفها شرط التقدم، وأخرى تراهن على استلهام الحداثة الغربية مع الحذر من الاستنساخ، مستحضراً مشروع محمد عابد الجابري باعتباره “محاولة لتأسيس حداثة من داخل النظام المعرفي الإسلامي، عبر إعادة ترتيب العلاقة بين العقل البياني والعرفاني والبرهاني”، بما يبرز أن “الحداثة ليست قطيعة ميكانيكية مع التراث، بل إعادة بناء نقدية لأدوات التفكير”.
الكتاب لا يظل، وفق الباحث، “حبيس الدرس النظري”؛ ففي فصله الثاني: “في تحولات السياسة: الاستشارة، الشعبوية والاحتجاج”، ينتقل المؤلف إلى مساءلة الراهن السياسي العربي، مستثمرا الخلفية المفاهيمية التي بناها في الفصل الأول.
وهنا طرَحَ جرضان “أسئلة الحركة الإسلامية بالمشرق والمغرب”، و”إشكاليات التعليم بالمغرب بين العطب وإعادة إنتاجه”، و”تحولات الشعبوية وانتقالها من الفضاء السياسي إلى الفضاء الاجتماعي”، إضافة إلى “أثر الاحتجاج في إعادة تشكيل المجال العمومي”، ليخلص: “لا يقدم الكتاب أجوبة جاهزة، أكثر من أنه يحاول أن يختبر فرضيات، ويعيد تفكيك المسلمات، مستندا إلى أدوات العلوم الإنسانية في قراءة الواقع”.
أما الفصل الثالث فيأخذ شكل قراءات نقدية في أعمال حديثة، من بينها أعمال عبد الرحمان رشيق حول منطق الحركات الاجتماعية بالمغرب، وأطروحات عزمي بشارة بشأن “العلاقة بين العسكر والسياسة في السياقات العربية”. وفي هذه القراءات يواصل المؤلّف تمرينه في “الربط بين التحليل المفاهيمي والتحولات السياسية”، مشددا على أن “فهم الحاضر يمر عبر مساءلة الأدوات التي نفكر بها فيه”.
وفي تقديمه للكتاب يلتقط الأستاذ حسن طارق (الذي يشغل حالياً وسيط المملكة) هذا “المنحى الخاص” في مسار المؤلف، مشيرا إلى أن الشاب الباحث يقترح على القارئ “الذهاب بعيدًا خارج منطقة الراحة وسلطة المألوف”.
ويحمل هذا العمل، كما جاء في التقديم ذاته، “طموح جيل شاب لمواصلة أفق التفكير في قضايا الفكر ومدارات السياسة، بكثير من الرغبة في استئناف التراكمات الموجودة، مع حرصٍ واضح في العثور على صوتٍ خاص”؛ وهي عبارة تختزل روح الكتاب: “استئناف لا يكتفي بالتكرار، ونقد لا ينزلق إلى القطيعة السطحية، ومحاولة للقبض على اللحظة العربية من داخل تاريخها الفكري”.
المصدر:
هسبريس