آخر الأخبار

سنوات لم أعشها.. حين يصبح الحنين خلف القضبان أملا

شارك

هبة بريس – ياسين الضميري

مرت الأشهر الأولى ببطء شديد، وكل يوم في السجن كان يترك أثره العميق على نفسي وروحي، الحنين للعائلة أصبح شعورا دائما، يرافقني في كل لحظة، أحيانا كوجع في القلب وأحيانا كصمت ثقيل على الروح.

كنت أسترجع صور ابنتي الكبرى وهي تلعب في الحديقة، الصغرى وهي ترضع على صدر أمها، وكل تفاصيل البيت الصغير الذي فقدته إلى الأبد.

الحنين لم يكن مجرد شعور، بل امتحانا يوميا، كلما حاولت أن أشتغل بشيء أو أتكلم مع زملائي في الزنزانة، كان الحنين يطفو فجأة على السطح، يقطع كل شيء، ويجعل كل اللحظات العادية صعبة.

أحيانا كنت أجلس على سريري لساعات، أنظر للسقف الذي تغير لونه، أسترجع تفاصيل الماضي، أتذكر كل كلمة وكل ضحكة، وأتساءل كيف ستكون حياتهم بدوني.

مع مرور الوقت، بدأت أفهم أن الحنين أصبح جزءا من وجودي، لم أعد أستطيع فصله عن كل ما أقوم به، بل صار يرافق كل حركة وكل فكرة، شعرت أنني أعيش بين عالمين، عالم السجن الذي يفرض صمتا وقوانين صارمة، وعالم الذكريات الذي يزحف داخلي في أي لحظة.

في بعض الأيام، كنت أسمع أصوات زملائي في الزنزانة، بعضهم يضحك، بعضهم يشتكي، وبعضهم يبكي في صمت، كنت أراقبهم وأحاول أن أستفيد من تجاربهم، لكن الحنين كان أقوى من أي حديث أو نصيحة.

حتى اللحظات التي كنت أضحك فيها مع الآخرين كانت مصحوبة بذاكرة عائلتي، وكأنني أحمل عالميين في وقت واحد، العالم الذي فقدته، والعالم الذي أعيشه هنا.

الحنين علمني الصبر، علمني كيف أحتفظ بما تبقى من إنسانيتي رغم كل شيء، وكيف أعيش داخل الزنزانة بلا أن أفقد نفسي تماما، كل يوم كان درسا في ضبط النفس، في مواجهة الألم، في قبول الواقع دون استسلام كامل.

بدأت أكتب في عقلي يومياتي الخاصة، ليست على ورق لأن الكتابة كانت خطا أحمر، بل في ذهني، كل ذكرى وكل شعور، هذا التمرين الذهني كان يخفف جزءا من الألم، ويجعلني أشعر بأنني ما زلت أحتفظ بشيء من السيطرة على حياتي رغم قيود السجن.

في بعض الليالي، عندما تهدأ الأصوات ويصبح كل شيء ساكنا، كنت أغمض عيني وأتخيل أنني أرى عائلتي، أن أستعيد حوارا صغيرا معهم، أن أسمع صوت ضحك الصغرى.

هذه اللحظات كانت قصيرة لكنها شديدة القوة، كانت تذكرني بأنني ما زلت إنسانا، وأن الحنين رغم ألمه هو ما يبقيني حيا، نعم حي و لو في صورة جسد بلا روح.

هكذا مضت الأشهر الأولى، والحياة خلف القضبان بدأت تشكل شخصيتي الجديدة تدريجيا، تعلمت أن أعيش مع الحنين، أن أتعامل مع الوحدة، وأن أجد لنفسي مساحة صغيرة من الأمل وسط الظلام.

عشرون سنة كانت أمامي، وكل يوم يمر يصنع مني إنسانا مختلفا، رجلين في رجل واحد، السجين والإنسان الذي لا يتوقف عن الحلم.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا