قاربت دراسة تحليلية معمقة بعنوان “القوة الناعمة للمغرب في إفريقيا جنوب الصحراء: قراءة في أدوار مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، ضرورة بلورة “نظرية مغاربية للقوة الناعمة الدينية”، مع دعوتها إلى “الانفتاحَ على مقاربات سوسيولوجية ودينية لفهم العلاقات الدولية في المجال الإفريقي”.
الدراسة التي أعدّها الباحثان في الدراسات الإسلامية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أميمة بونخلة وعبد الرحيم النجوي، ونُشرت بمجلة “شؤون إستراتيجية”؛ وهي دورية محكمة تعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية وتصدر عن المركز المغربي للدراسات الإستراتيجية والعلاقات الدولية، (الدراسة) كشفت الكيفية التي استثمر بها المغرب “رصيده الديني” لبناء نفوذ رمزي يتجاوز الهيمنة التقليدية نحو “الجاذبية الروحية”.
في أبرز نتائجه خلص المقال العلمي المحكّم إلى أن الدبلوماسية الدينية المغربية تخطّت كونها مجرد “رمز تقليدي”، لتتحول إلى “وسيط حضاري فعّال لنسج علاقات متوازنة” مع شعوب إفريقيا جنوب الصحراء.
وتوصي الدراسة بضرورة “بلورة نظرية مغاربية خاصة للقوة الناعمة الدينية، تنفتح على المقاربات السوسيولوجية لفهم أدق للعلاقات الدولية في المجال الإفريقي”، مع تمكين المرأة الإفريقية في مجالات الإرشاد الديني، إذ تعتبرها عنصرًا محوريًا في حماية الأسرة من الفكر المتطرف واستدامة الأمن الروحي.
كما دعا الباحثان سالفا الذكر إلى “دمج البعد الديني في مسارات التنمية”، بحيث لا يُنظر للدين كـ”تعاليم أخلاقية معزولة”، بل كـ”رافعة للفعل التنموي تتماشى مع متطلبات الدولة الحديثة”.
توضّح الورقة البحثية، التي استقرأتها جريدة هسبريس الإلكترونية، كيف أصبحت المرجعية المالكية الأشعرية “وسيلة ناعمة” لمواجهة التطرف وترسيخ الأمن الروحي في القارة، راصدة أن المغرب، من خلال مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، يقدم نموذجاً دامجاً بين الشرعية الرمزية (الدينية والتاريخية معاً) والذكاء الإستراتيجي.
كما غاص الباحثان النجوي وبونخلة في “أدوات التأثير الميداني”، حيث تستعرض الدراسة آليات عمل المؤسسة التي تأسست عام 2015 كخيار إستراتيجي استباقي لمكافحة الإرهاب الديني؛ ومن أبرز هذه الأدوات، وفقهُما، تكوين الأئمة والمرشدين من خلال “تأهيل الكوادر الإفريقية” وفق المذهب المالكي لضمان “وحدة المرجعية”.
كما تطرق البحث إلى الأنشطة العلمية العابرة للحدود، مثل الندوة العلمية في أوغندا (فبراير 2024) التي بحثت قضايا الأمن الروحي بمشاركة واسعة من علماء القارة، مبرزا دور “الإعلام الديني الموجه” عبر إطلاق برامج إذاعية (مثل البرنامج الإذاعي الأسبوعي في النيجر) لتبسيط مفاهيم الإسلام المعتدل للجمهور العام.
رغم المؤشرات الإيجابية لنجاح هذه الدبلوماسية إلا أن الباحثين لم يخطئا في تحليلهما الإشارة إلى تحديات جسيمة قد “تهدد استدامة” هذا النفوذ، لافتين إلى “النفوذ الديني المنافس”، من خلال ما وصَفَاه بـ “تصاعد التيارات السلفية” والمجموعات المتطرفة التي تحاول استقطاب الشباب في البيئات الهشة؛ كما نبها في السياق ذاته إلى “الإرث الكولونيالي”، إذ مازالت بصمات الاستعمار تؤثر في توجيه السياسات الدينية لبعض الدول، “ما قد يخلق ترددًا في الانفتاح” على النموذج المغربي.
وعن التغيرات الإقليمية رصد المقال العلمي عينه “بروز قوى إقليمية ودولية جديدة قد تؤدي إلى تقليص دور المغرب إذا لم يتم ربط المبادرات الروحية بتقدّمٍ اقتصادي وتنموي حقيقي”.
وإجمالا ترى الدراسة أن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ليست مجرد جهاز ديني، بل أداة إستراتيجية تتقاطع فيها الوظائف الروحية مع الرهانات السياسية لإعادة رسم تموقع المغرب “كشريك تنموي ومؤطر ثقافي”.
المصدر:
هسبريس