آخر الأخبار

نجاة المريني تستحضر تراجم إفريقية في كتابات الأكاديمي بن شريفة

شارك

قالت الكاتبة المغربية نجاة المريني إن كتابة التراجم تمثل صورة ناصعة للتواصل بين المغرب وإفريقيا، مستعرضة في دراستها الصلات الثقافية التي وثقها الأكاديمي الراحل محمد بن شريفة في مؤلفاته.

وأضافت الأستاذة المريني أن اهتمام الراحل ابن شريفة بالتراجم الإفريقية جاء ضمن رؤية متكاملة لإحياء ذكر أعلام من أمثال إبراهيم الكانمي وأحمد بابا التنبوكتي وإبراهيم الساحلي وعبد الرحمن سقين، حيث أبرز في تراجمه المستفيضة كيف مثل هؤلاء العلماء قنوات تواصل حضاري بين ضفتي الصحراء، مستفيدين من الخزانات العلمية والمجالس الأدبية في المغرب، ومعيدين صياغة العلاقة الثقافية عبر رحلاتهم وإقاماتهم وإنتاجهم العلمي الذي توزع بين مراكش وفاس وتنبوكتو وبلاد السودان.

تراجم إفريقية في كتابات الدكتور محمد بن شريفة

نعيش منذ سنوات فترات دافئة في علاقة المغرب مع إفريقيا، في ريادته لكثير من المشاريع التجارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونحمد للمغرب هذه الريادة في تنمية علاقاته بالدول الإفريقية بكثير من الاهتمام والفخر، فوطننا المغرب بشخصيته القوية وعطائه المتميز يحفر في الذاكرة قنوات للتواصل لتأكيد ما لهذه القارة من دور في الساحة العالمية.

وقد بدا لي بالمناسبة أن أذكِّر بما قدمه أستاذنا المرحوم الدكتور محمد بن شريفة من تعاريف مهمة بأدباء أفارقة وبعلاقاتهم بالمغرب وعلمائه في فترات متباعدة، عملٌ يؤكد الروابط المتينة للأدباء والشعراء الأفارقة بالمغرب في مراحل مختلفة، وما نعيشه اليوم من نجاح المغرب أو السياسة المغربية في تطور هذه العلائق المغربية الإفريقية ما هو إلا امتداد لما سبق أن نسجته كتابات ومؤلفات عن المغرب وإفريقيا، تاريخًا وأدبًا وسياسة.

وقد جاءت كتابات أستاذنا محمد بن شريفة رحمه الله ضمن حلقات نشرت في طبعات أنيقة ضمن منشورات معهد الدراسات الإفريقية كما تسمى سابقًا في التسعينات وما بعدها.

لماذا كُتِبَتِ التراجم؟

تضم كتب التراجم – كما هو معروف – مواد غزيرة في التعريف بالمُتَرجَم لهم وذكر أخبارهم ورواية أشعارهم، وفي الإشارة إلى علائقهم بشيوخهم وتلامذتهم ومريديهم إلى غير ذلك مما يكون ذخيرة هامة عن حياتهم وأنشطتهم، وزادًا معرفيًا عن علومهم ومؤلفاتهم.

وقد تكون أخبار بعض المُتَرْجَم لهم موزعة في كتب التراجم أو كتب التاريخ أو الفهارس لا توفيهم حقهم في التعريف بهم، كما لا تشفي غليل الباحث في رصد معالم عطاءاتهم المختلفة، خاصة وأننا نعرف تنوع كتاباتهم وتعدد علومهم، فهم علماء مشاركون، لا يُجاز الواحد منهم إلا بعد نبوغه وتأكيد تفوقه تدريسًا ونقاشًا وتأليفًا، ليس في علم واحد، ولكن في سلسلة علوم عليه إتقانها ومعارف عليه إحكامها.

ومن كتب التراجم الشهيرة: الصلة لابن بشكوال، وصلة الصلة لابن الزبير، وكتابي التكملة والحلة السيراء لابن الأبار، ودرة الحجال وجذوة الاقتباس لابن القاضي، والإعلام لمن حل مراكش من الأعلام للعباس بن إبراهيم السملالي المعروف بالمراكشي، وموسوعة أعلام المغرب التي نسّق أعمالها الأستاذ محمد حجي، وأعلام المغرب العربي لعبد الوهاب بن منصور، وسلوة الأنفاس للكتاني، ووفيات الأعيان لابن خلكان، والوافي بالوفيات للصفدي، وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، إضافة إلى كتب البرامج والفهارس، كفهرسة ابن خير، وفهرس ابن عطية المحاربي، وبرنامج التجيبي، وبرنامج شيوخ الرعيني، وبرنامج الوادي آشي، وفهرس المنجور، وفهرس الفهارس للكتاني وغيرها من الكتب التي حفظت لنا مجموعة كبيرة من تراجم العلماء والمؤلفين وإن باقتضاب واختصار شديدين في كثير من الأحيان.

إلا أن هناك استثناء لا يمكن إغفال الإشارة إليه؛ هو اهتمام بعض القدماء بكتابة تراجمهم كالأصفهاني والسيوطي وابن خلدون وابن الخطيب وغيرهم، وقد أفاد هذا العمل الباحثين في تتبع مراحل هؤلاء الأعلام وأنار ما استغلق عليهم من أخبار، وساعد على تقصي حقائق ومعلومات تسلك بالبحث والباحث طريقًا، وإن كان محفوفًا بالمخاطر والمزالق، فهو طريق ذو صوى ومعالم تكشف على الأقل ما غمُضَ على الغير تفسيره أو الكتابة فيه.

وحين عمد الأستاذ محمد بن شريفة إلى العناية بالتراجم، فلإفادته أولاً مما صنعه الأقدمون في كتب تراجمهم، ولنزوعه ثانيًا إلى التفوق عليهم عندما لجأ إلى صنع تراجم مفردة، جمع عناصرها، وألف بين موادها، واستخلص من دراستها وتحليل جوانب من شخصياتها ما أسعفه على تقديم تراجم متميزة وشاملة لكل شخصية على حدة، أغنَتْ بمعلوماتها ودقة نتائجها وحسن استيعابها وبديع استدراكها وتذييلها تلك الترجمة، فجاءت غنية شاملة، متتبعًا خطة ابن عبد الملك كما يذكر في “اطلاعه على أمهات كتب الأدب ودواوينه، وتهمّمه بالقراءة وسعة الاطلاع”.

واهتمام الدكتور ابن شريفة بتراجم الأعلام يعود إلى أزيد من ستين سنة، حين عني برسالته الجامعية الأولى بابن عميرة المخزومي، ثم بأسرتي بني عشرة وبني زهر، وبتراجم أخرى تالية كترجمة البسطي والكفيف الزرهوني والحكيم والثغري وابن عبد ربه الحفيد والمغاور الشاطبي وغيرهم.

وحين يُعنى الدكتور ابن شريفة بكتابة هذه التراجم، فهو لا يكتفي بالترجمة المختصرة كما عند القدامى، وإنما ينجز تراجم وافية “تُعرف بأدباء كانت معرفة الناس بهم منعدمة أو ضعيفة”. وكما قال عن واحدة من هذه التراجم بأنها: “محاولة متواضعة في بناء سيرة غير معروفة، وهي سيرة كاتب من كتاب الدواوين”. وهو ينهج في كل أعماله مسالك مأمونة ضبطًا وتوثيقًا وتحقيقًا وتخريجًا، مؤكدًا ذلك في ثقة وطمأنينة، يقول: “ولقد بذلت جهدي في خدمة هذا النص وتوثيقه، وإغنائه بالحواشي الضرورية والتعليقات اللازمة”. منبهًا إلى اقتصاره على التعليقات الخفيفة في بعض الأحيان عند تحقيقه لمتون بعينها، ويضيف قائلاً: “ولم نشأ أن نثقله بكثرة الحواشي أو طولها، واقتصرنا على بعض التعليقات الخفيفة والقصيرة”.

وعن قراءته لديوان البسطي يقول: “هذه قراءة عامة في ديوان مخطوط لشاعر أندلسي مغمور، لا ذكر له ولا لشعره في المصادر المعروفة، فقد نسيته كتب التراجم وأغفل ذكره أصحاب المعاجم”. مثل هذه الدراسات المفصلة التي أنجزها الدكتور ابن شريفة في التعريف بالأعلام لها شأنها في إحياء ذكرهم وتخليد أسمائهم، وذيوع إنتاجهم شعرًا كان أو نثرًا.

بهذا التوجه، تلفتُ نظر الأستاذ ابن شريفة تراجم بعض الأعلام الأفارقة أو الأندلسيين الذين هاجروا إلى إفريقية، ولم ينالوا عناية خاصة من أصحاب كتب التراجم الشهيرة والمعاجم المتداولة والمصادر المعروفة، وينتبه إلى هذا الجانب المسكوت عنه ويخصه بعنايته واهتمامه، ويفرد لبعض الأعلام الأفارقة وغيرهم من الوافدين على إفريقية تراجم وافية كشفت عن تراث مخبوء في طيات مصادر عديدة وعن صلات ثقافية حجبها غبار النسيان عن أعين الباحثين بين العلماء الأفارقة وغيرهم من علماء الغرب الإسلامي. لقد ساعدت بعض الملتقيات والندوات على التعريف بهؤلاء الأعلام وعلى إثارة الانتباه إليهم باعتبارهم قنوات تواصلية بين المغرب وإفريقيا، فكشفت الأبحاث عن قمم علمية أسدت للثقافة العربية الإسلامية خدمات جلى منذ فترات بعيدة.

وأغلب التراجم التي كتب عنها الأستاذ ابن شريفة من هؤلاء الأعلام انتظمت في هذه الندوات كندوة أحمد بابا التنبوكتي بمراكش سنة 1991 ومحاضرات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط سنوات 1991، 1992، 1993.

وممن ترجم لهم وعرف بهم إبراهيم الكانمي وأحمد بابا التنبوكتي كعلمين بارزين حققا “أنموذجًا للتواصل الثقافي بين المغرب وبلاد السودان”، وإبراهيم الساحلي وعبد الرحمن سقين كعلمين وافدين من الأندلس والمغرب على إفريقيا في مملكة مالي وبلاد الحوس، مبرزًا دورهما الكبير في “توطيد الصلات بين البيضان والسودان”. وفيما يلي نماذج لهذه الترجمات:

1 – أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الكانمي: 550هـ – 609 هـ

يقول عنه د. ابن شريفة: “شخصية ثقافية طريفة، يبدو أنها كانت من الثمرات المبكرة لتسرّب الثقافة العربية المغربية إلى مملكة غانا ومملكة كانم الصغيرة الواقعة في شرقها”.

اهتم المؤلف بجمع شتات ما كتب عن الكانمي عند المشارقة والمغاربة والأندلسيين، متتبعًا ضبط اسمه وبلده وشاعريته ومكان دراسته والعلوم التي درسها، فعن انتسابه إلى قبيلة ذكوان السَّلَمية يورد بيتًا للكانمي يقول فيه:

إني وإن ألبستني العجم حُلَّتها ** فقد نماني إلى ذكوانها مضر

ويوضح المؤلف ما أشار إليه ابن حمويه في رحلته نقلًا عن ابن الشعار عن دراسة الكانمي: “وذكر أنه اشتغل في بلاد غانة وتخرج بها مع أنها بلاد كفر وجهل”. وكلمة “اشتغل” الواردة في النص كما يقول يدل السياق على أن معناها اشتغل بطلب العلم، واجتهد في تحصيله.

أما عن إقامة الكانمي في المغرب فتعود إلى سفارته للموحدين، فهو يلتقي بسفير صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور الموحدي ويجالسه، فابن حمويه يقول: “وقد تردد إلي كثيرًا وذاكرني وجالسني”. ويستقبل الخليفة الموحدي الكانمي فينشده:

أزال حجابُه عني وعيني ** تراه من المهابة في حجاب

وقربني تفضُّلُه ولكني ** بَعُدْتُ مهابةً عند اقترابي

وقد حفظ ابن الشعار رأي ابن حمويه في شعر الكانمي في كتابه قلائد الجمان، فهو يقول: “كان يُعرب عن شعر فصيح، ولفظ صحيح، ووزن مستقيم، ومعنى قويم”.

ومن خلال الأشعار التي جمعها المؤلف للكانمي يبدي رأيه قائلاً: “أما شعر الكانمي كما تدل عليه النماذج الباقية فإنه شعر جيد، يجمع بين مزيتي الطبع والصنعة، ويستند إلى محفوظ شعري غزير، ومحصول لغوي كبير، ونحن نحس من شواهده السالفة شيئًا من تأثير المتنبي”. ويشير المؤلف إلى نموذجين من تأثير المتنبي في شعره:

الأول: عندما قال متعصبًا لسواده، متوددًا إلى زوجته البيضاء:

غيري عليكن يا زهراء يصطبر ** لأن صبري على ذاك الهوان صبر

لوني بلونك مزدان إذا اجتمعا ** كما يزين سواد المقلة الحور

ويقول المتنبي:

إنما ملبَسُ وابيضاضُ النـ ** ـفس خير من ابيضاض القباء

الثاني: عندما قال الكانمي معتزًا بثقافته ومعارفه:

والناس لفظ كلفظ العود مشترك ** لكن يفرق بين العود والعود

ويقول المتنبي:

فإن تفقِ الأنامَ وأنت منهم ** فإن المسك بعض دم الغزال

تتميز ترجمة الكانمي باستقصاء دقيق لحياته وأشعاره، وتتبع لآراء المؤرخين في أشعاره وقراءاته، فهو، عند ابن الشعار: “أديب نحوي شاعر أسود”. ووصفه ابن الأبار فقال:

“كان عالمًا بالآداب، شاعرًا مفلقًا، مع التيقظ والفهم وصدق التأله”. كما قال عنه أيضًا: “سكن مراكش وأقرأ بها الآداب، وبلغني أنه دخل الأندلس، وكان شاعرًا محسنًا، قرأ المقامات”.

وتحدث عنه ياقوت الحموي في معجم البلدان فقال: “وفي زماننا هذا، شاعر بمراكش المغرب يقال له الكانمي مشهود له بالإجادة”.

لقد أورد الدكتور ابن شريفة خمسة نصوص في ترجمة الكانمي أضافها كملاحق نقلًا عن مصادرها وهي:

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان لأبي البركات المبارك ابن أحمد المعروف بابن الشعار، التكملة لابن الأبار، تحفة القادم لابن الأبار، الوافي بالوفيات للصفدي، معجم البلدان لياقوت الحموي.

أما الأشعار التي جمعها المؤلف فتبلغ خمسة وأربعين بيتًا شعريًا في المدح والغزل والفخر، مقطوعتان وأبيات متفرقة، وكان ابن حمويه السرخسي قد عُني بجمع شعره، إلا أنه ضاع منه معظمه، وفي ذلك يقول: “لم أجد في تعاليقي حين ألفتُ هذا المجموع سوى هذا القدر الذي علقته”.

2 – أحمد بابا التنبوكتي: 963 هـ – 1036هـ

من علماء تنبكتو، عرف بشغفه بالعلم والدراسة وبمجالسة الفقهاء والعلماء، وبجرأته في الدفاع عن الحق أيام محنته بمراكش، نعته الدكتور ابن شريفة بقوله: “شيخ من شيوخ الإسلام، وقطب من أقطابه، يُعد رمزًا من رموز العلم في الغرب الإسلامي، ويعتبر مثالاً من أمثلة التواصل الثقافي بين المغرب والمشرق”.

وباعتبار التنبوكتي من الأعلام الأفارقة الذين نالوا عناية خاصة بالترجمة له والتعريف به في المصادر العربية وغيرها، فقد تناول د. ابن شريفة الحديث عن إفادة التنبوكتي من الخزانة المغربية أثناء إقامته في مراكش في عهد السلطان أحمد المنصور السعدي “1002هـ – 1016 هـ”، باعتبارها “إقامة اختبارية لا إجبارية”. ففي هذه الفترة كتب أكثر مؤلفاته وجلس للإقراء والتدريس في مسجد الشرفاء بمراكش، وحضر مجالسه فقهاء وعلماء المغرب كابن القاضي والغساني والرجراجي وابن عمران السلاسي وغيرهم. وينبه المؤلف إلى أنه “ألف أبرز مؤلفاته وأشهرها في مدينة مراكش، مستفيدًا من توفر الكتب لديه، وهي كتب انهالت عليه مدة حبسه من أهل العلم في مراكش، فقد كانوا يزورونه ويُحضرون إليه ما لديهم من كتب، وهو يشرح هذا في مقدمة كتابه “اللآلئ السندسية”.

وغني عن البيان أن مكتبة خزانة السلطان أحمد المنصور السعدي بمراكش كانت من الخزائن الملكية الشهيرة، وهي الخزانة التي عرفت بالزيدانية فيما بعد نسبة إلى الأمير زيدان، ووقعت قرصنتها من طرف الإسبان الذين ألحقوها بمكتبة الأسكوريال، والتنبوكتي واحد من العلماء الذين استفادوا منها “فقد أشبع نهمه العلمي منها، وكان ولوعًا بالكتب، شغوفًا بزيارة المكتبات، خبيرًا بأصول المخطوطات ونفائسها”. وقد روى المؤلف قصة طريفة عن استبداد التنبوكتي بنسخة من كتاب الروض المعطار للحميري استعارها من مكتبة زاوية تمكروت، ولم يردّها وإنما استنسخها وبعث بالنسخة إلى المكتبة بعد خمسة عشر عامًا، وفي التبرير لذلك يقول المؤلف: “هذه الحادثة لا تدل على استغلال الثقة وإخلاف الوعد، لكنها تدل على الولع الشديد بالمخطوطات الأصلية، وربما رأى أنه أولى بالاحتفاظ بذلك الأصل من صاحبه المرابط التمكروتي مادام قد عوَّضه بنسخة جديدة بخط مغربي”.

وفي مراكش سيلتقي بصاحب نفح الطيب أحمد المقري ويجيزه، ويقول عنه: “جالسته وحادثته واستفدت منه فوائد”. ويلتقي أيضًا بالمؤرخ الأديب محمد بن يعقوب ويقول عنه: “لم ألق بالمغرب أثبت منه ولا أوثق ولا أحذق، ولا أعرف بطرق العلم منه”.

وقد أكد الدكتور محمود زُبَيْر مدير مركز أحمد بابا للتوثيق بتنبوكتو بمالي استفادة التنبوكتي من إقامته بالمغرب حيث يقول: “إن الفترة المغربية من حياة أحمد بابا (1593 – 1607 م – 1002 – 1016 هـ) كانت أخصب مراحل حياته الثقافية، فقد ألف خلال هذه الفترة القصيرة أزيد من نصف مؤلفاته أي تسعًا وعشرين مؤلفًا أو تزيد من مجموع مؤلفاته المعروفة التي يبلغ عددها ستة وخمسين مؤلفًا”.

ففي مراكش ألف “نيل الابتهاج بتطريز الديباج” أشهر مؤلفاته، يقول: “حين تفضل من له الفضل، وأحسن إليَّ من له الطول، سبحانه، بوصولي إلى منبع العلم في الديار المغربية، حضرة الإمام العليّة، المولوية الهاشمية، الأحمدية المنصورية، حاطها الله من طوارق الزمان، ومن شر الملوان”.

لقد وظف المؤلف كل الإفادات والمعلومات نقلًا عن المصادر المخطوطة والمطبوعة منبهًا إلى أن التنبوكتي – على الرغم من محنته – قد استفاد من إقامته الإجبارية بمراكش، فاستفاد من الخزانة السلطانية ومن علماء مراكش، وأن هذه الإقامة وفرت له ظروف التأليف والكتابة، فصنف عددًا كبيرًا من الكتب أهمها كتب التراجم والشروح والتاريخ والفقه.

ويختم المؤلف حديثه بمسرد المصادر التي استقى منها التنبوكتي مادة كتابه “نيل الابتهاج” مصنفة كالآتي:

– كتب التراجم والطبقات؛ كتب المناقب؛ كتب الفهارس والبرامج؛ كتب الرحلات؛ كتب الوفيات؛ كتب التاريخ العام؛ تقاييد مختلفة.

يتضح من خلال الترجمة للنموذجين الكانمي والتنبوكتي، أن المؤلف حرص على إبراز خصوصية كل واحد منهما وعن رحلتهما إلى المغرب، الأول في عهد الموحدين، والثاني في عهد السعديين، ويمثلان معًا صورة لإفادة أهل السودان من الثقافة العربية المغربية عندما كانت مجالس كل منهما مجالس علم وأدب وإقراء، وأنهما حظيا بعناية خاصة سواء تعلق الأمر بالسلاطين أو العلماء أو عامة الناس، وأنهما صورة للتواصل الثقافي بين المغرب وبلاد السودان.

3 – إبراهيم الساحلي: (ت 747 هـ)

أحد أعلام غرناطة، رحل إلى بلاد السودان في عهد الملك منسا موسى وهو “أشهر أندلسي اقترن ذكره ببلاد السودان بسبب صحبته لملوكها، وآثاره فيها واستقراره ووفاته بها”.

اهتم د. محمد بن شريفة في ترجمة الساحلي بالعنصريين الآتيين:

حياته: استقصى المؤلف المصادر الأندلسية والشرقية التي تناولت حياة الساحلي وتحدثت عن أسفاره وتنقلاته مستشهدًا بآراء المؤرخين فيه وأهمهم ابن الخطيب، فهو “فقيه موثق، وهو نسيج وحده في الأدب نظمًا ونثرًا لا يشق فيهما غباره”. أما ابن فضل الله العمري فيقول عنه “قدم مصر ونزل بها على بني الأثير في فلك علاء، وملك بهم جزيل آلاء، وجرت مكاتبات بينه وبين من لاذ بهم من الفضلاء، ومتَّ إلى عليهم بالولاء”.

اشتهر الساحلي بالرحلة، فقد غادر مسقط رأسه غرناطة في ظروف مضطربة في عهد السلطان أبي الجيوش نصر بن محمد النصري (708هـ – 713هـ)، وتوجه إلى مصر “لما اتفق كساد سوقه، وضياع حقوقه”. وبقي بها يطارح الأدباء والكتاب مما يدل على حظوته عند أدباء مصر، إلا أن هذه المطارحات قد ضاعت كما ضاعت أشعاره في مدح بعض حكام مصر.

وينتقل الساحلي إلى الشام ثم إلى العراق ثم اليمن، ومنها إلى الحجاز ليؤدي فريضة الحج عام (724هـ)، وهي نفس السنة التي حج فيها سلطان مالي منسا موسى. أما عن لقائهما فتشير المصادر إلى أنه (أي الساحلي) “سمع في موسم الحج عن كرم السلطان الحاتمي، فسعى إليه بوسائل قربته إليه، ومن هذه الوسائل أدبه وشعره وحسن حديثه وجمال خطه وحذقه في كل ما يحاوله”.

ويحظى الساحلي بمجالسة سلطان مالي ومرافقته بعد عودته من الحج إلى بلاد مصر ومنها إلى بلاده، ويذكر ابن الخطيب أنه “بلغ أقصى مبالغ المكنة والحظوة والشهرة والجلالة، واقتنى مالاً دثرًا”.

ويعتقد د. ابن شريفة أن الساحلي أحد العاملين على التقارب بين المغرب ومالي، وعن ذلك يقول ابن خلدون: “وكان بين هذا السلطان منسا موسى وبين ملك المغرب لعهده من بني مرين السلطان أبي الحسن مواصلة ومهاداة سفرت بينهما فيها الأعلام من رجال الدولتين”.

ويتتبع المؤلف مراحل حياة الساحلي وتنقلاته بين المغرب وتنبوكتو إلى حين وفاته بها عام 747هـ.

آثاره: يشير المؤلف إلى براعة الساحلي في علم الهندسة وإلى اختطاطه لمبان ومساجد في تنبوكتو وجني وكاغو “وقد أشار الحسن الوزان الذي زار تنبوكتو بعد قرنين تقريبًا إلى المسجد والقصر اللذين بناهما مهندس أندلسي، والمقصود به شاعرنا طبعًا”.

أما آثاره الأدبية، وإن ضاع أغلبها، فهي موزعة بين الشعر والنثر، وقد أحصى المؤلف له اثنتي عشرة قصيدة وثلاث مقطعات في المديح والغزل والوصف، وفي النثر رسالة طويلة في الشوق إلى أهله وصحبه ومسقط رأسه غرناطة.

وقد أحسن د. ابن شريفة صنعًا عندما جمع شعره من المصادر المختلفة، وجعله مع الرسالة النثرية ملحقًا لترجمته. أما مصادر ترجمته وأشعاره فهي:

الإحاطة والكتيبة الكامنة لابن الخطيب، نثير فرائد الجمان لابن الأحمر، مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، الدرر الكامنة لابن حجر، تاريخ ابن خلدون: العبر؛ مطالع البدور للغزولي؛ رحلة ابن بطوطة؛ مختارات من الشعر المغربي والأندلسي.

4 – عبد الرحمن سقين: (873هـ – 956 هـ)

عالم محدث، درس على شيوخ فاس وعلمائها كالشيخ أحمد زروق (ت 889هـ) والحميدي (ت 894هـ) وابن غازي المكناسي (ت 919هـ) “وقد أجازه ابن غازي بجميع ما اشتملت عليه فهرسته التي انتهى من تأليفها عام ستة وتسعين وثمانمائة، وأجازه كذلك بما احتوى عليه ذيلها الذي انتهى منه عام خمسة وتسعمائة”. وهو فيما بعد شيخ الجماعة الشيخ المنجور (ت 995هـ)؛ أستاذ السلطان أحمد المنصور السعدي (ت 1012هـ)، وصاحب كرسي الفقه في المدرسة العنانية بفاس.

وبعد مرحلة الدرس والتدريس يتطلع سقين إلى الرحلة لطلب العلم، فيتوجه إلى مصر والحجاز عن طريق بلاد السودان، ويلتقي بالمحدث أبي الفتح القلقشندي والسخاوي ويأخذ عنهما، كما أنه سيستفيد من علماء الحديث بالحرمين حتى “حصل له من العلم علم كثير ورواية واسعة لم تحصل لغيره من أهل عصره من علماء فاس”.

أما عن رحلته إلى بلاد السودان، فإنها رحلة علمية حظي فيها بمنزلة رفيعة “وحدث هناك بمحضر ملوكهم، فعظموه وأجلسوه يحدث على الفرش الرفيعة، ووصلوه بالصلات الجزيلة”.

ويفيد د. ابن شريفة من فهرس المنجور تلميذ سقين في جمع معلومات ضافية عن رحلته وإقامته ببلاد الحوس وعن العلماء الذين التقى بهم وعن رغبة سكان “كانو” وملوكها في الاستفادة من سقين وعلومه العربية والحديث وغيرهما. ويفصل المنجور الحديث عن حظوة سقين عند ملوك بلاد الحوس، فقد “وصلوه بالصلات الجزيلة من جوار أبكار وغيرها، وافتض كثيرًا جدًا، حدث بعض أصحابه عنه أنها تقرب المائة، ونال عندهم المنزلة الرفيعة”. ولعل أهم إشارة عن إقامة سقين ببلاد الحوس “ما يتعلق بنشاطه التعليمي الذي كان له تأثيره في بروز “كانو” كمدينة إسلامية”. فتحلق حوله وحول مجلسه خلق كثير من الملوك والعلماء للدرس والاستفتاء والرواية والسند، من ذلك ما جاء في سند العالم الفلاني صالح بن محمد العمري عن سقين: “قرأت الموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي قراءة بحث وتدقيق مع إحضار الاستذكار والمنتقى والقبس والمختار والزرقاني والتنوير والملخص والغافقي على الشيخ المعمر المحقق المدقق محمد بن سُنة العمري الفلاني وهو قرأه على الشريف المعمر أبي عبد الله محمد الولاتي … وهو قرأه كذلك على أبي زيد عبد الرحمن بن علي بن أحمد العاصمي الشهير بسقين السفياني …”.

ويذكر المؤرخ هـاكست في دائرة المعارف الإسلامية “أن سند التعليم الإسلامي في “كانو” يرقى إلى المغيلي وعلماء آخرين منهم عبد الرحمن بن علي بن أحمد القصري، فقد ساهم مع غيره في تغذية سند العلوم الإسلامية الموجود يومئذ بالمدينة المذكورة”. وإعجاب المنجور بأستاذه سقين دعاه إلى وصفه “وبالجملة فهو آخر الناس بمدينة فاس”.

لقد كان الشيخ المنجور وفيًا لأستاذه سقين، فترجم له في فهرسه وتحدث عن مجالسه العلمية وعن رحلته إلى بلاد السودان وأفاد من مقيداته ما أسعف على تجميع خيوط حياته وتنقلاته وإسهامه في نشر اللغة العربية والعلوم الإسلامية ببلاد الحوس في السودان، وعلى المشيخة لعدد كبير من علماء مدينة فاس بعد عودته من السودان.

وعلى الرغم من أن سقين لم يدون رحلته، فإن الفهرس الذي صنعه سيضيف معلومات جديدة إلى ما قدمه المنجور عن تلامذته وإجازاته. ويذكر المؤلف أن “فهرس سقين يقع في أربعة كراريس، ويشتمل على مروياته وأسانيده وإجازاته، وقد أفاد منه المنجور كثيرًا في فهرسه”. وهو دون شك في حوزة المؤلف الآن إذ يشير إلى أنه “يرجو أن يتمكن من نشره إن شاء الله، هو والثبت الذي يشتمل على إجازاته المشرقية”.

وأخيرًا يتضمن المؤلف – أي الترجمة التي صنعها الأستاذ ابن شريفة للشيخ سقين – ملاحق خمسة لأسانيد علماء كالشيخ المنجور وعبد الواحد الحسني وصالح بن محمد العمري عن سقين، وإجازة الحافظ جمال الدين السخاوي لسقين وغيره، وهي نصوص ثمينة تكشف عن دور هذا العالم المغربي في نشر العلوم الإسلامية في المغرب وبلاد السودان.

أما المصادر التي استقى منها المؤلف مادته عن سقين فهي متوفرة بالنسبة إلى غيره من الأعلام وهي كالآتي:

فهرس الشيخ المنجور؛ نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبوكتي، فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور للبرتلي الولاتي، أنس الساري والسارب من أقطار المغارب للقيسي السراج، سلوة الأنفاس للكتاني، وصف إفريقيا للحسن الوزان، فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني.

إن ما يمكن استخلاصه من الترجمتين اللتين صنعهما د. ابن شريفة لعالمين من الغرب الإسلامي أحدهما أندلسي وهو إبراهيم الساحلي وثانيهما مغربي وهو عبد الرحمن سقين، هو دور هذين العالمين في إرساء دعائم التواصل المعرفي والسلالي بين المغرب والسودان، فقد رحلا إليها في فترتين متقاربتين، أحدهما في العصر المريني وثانيهما في فترة اضطراب الدولة المرينية واستبداد الوطاسيين بالسلطة وتطلع السعديين إلى بناء دولة جديدة في المغرب وإرساء دعائمها فيما بعد في مدينة فاس بعد أن كان المغرب موزعًا بين السعديين والوطاسيين في فترة الاضطراب هذه.

ويُتوَّج عمل المؤلف د. ابن شريفة من خلال محاضراته عن هؤلاء الأربعة في تراجمهم المستوفاة بحسب المتوفر من المصادر المخطوطة أو المطبوعة بإصدار هذه التراجم مطبوعة طباعة أنيقة، حرص على تعميم الفائدة منها مشكورًا معهد الدراسات الإفريقية بالرباط. وهي كالآتي:

– إبراهيم الكانمي: أنموذج مبكر للتواصل الثقافي بين المغرب وبلاد السودان، ط 1991.

– إبراهيم الساحلي ودوره الثقافي في مملكة مالي، ط 1992.

– مساهمة المغاربة في تأسيس الحركة العلمية في شمال نيجيريا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر: زيارة عبد الرحمن سقين إلى بلاد الحوس، ط 1993.

– إفادة أحمد بابا التنبوكتي من الخزانة المغربية: بحث نشر ضمن ندوة أحمد بابا التنبوكتي التي عقدتها منظمة الإيسيسكو سنة 1991 بمراكش ونشرت سنة 1993.

كما يستفاد من هذه التراجم أن العلاقات الثقافية والسياسية والتجارية بين المغرب وبلاد السودان هي علاقات قديمة ومستمرة ثبت دعائمها إبراهيم الكانمي في عهد يعقوب المنصور الموحدي وأثمرت زهراتها في عهد المرينيين عندما رحل إبراهيم الساحلي من الأندلس إلى السودان للتدريس والتعليم، وكذا عبد الرحمن سقين الذي رحل إليها في فترة لاحقة، “فلقي تعظيمًا وعناية، وعاد محملاً بالخيرات، مملوء الحقائب، موفى الآمال والرغائب. وكان جني الثمرات على يد الشيخ أحمد بابا التنبوكتي في عهد السلطان أحمد المنصور السعدي، فأثناء إقامة الشيخ أحمد بابا بمراكش أهدى الخزانة السودانية ثمرات إقامته مؤلفات هامة، وإن ضاع أغلبها”. فإن ما بأيدينا اليوم وخاصة “نيل الابتهاج” و”كفاية المحتاج” يفيد ما استطاعت نتائج العلاقات السودانية المغربية أن تقدمه للشعبين السوداني والمغربي من مؤلفات ثمينة.

وقد سلك الأستاذ المؤلِّف طريق الاستقصاء والتتبع لكل الأخبار والمرويات التي أثبتتها المصادر عن أصحاب التراجم، مدققًا في الاسم والكنية والبلد والرحلة، هادفًا إلى تقديم تراجم موثقة لم يسبقه أحد إلى الالتفات إليها باعتبارها عناصر تواصل وترابط بين المغرب وبلاد السودان خلال قرون طويلة، مبرزًا تشبث علماء السودان باللغة العربية في التدريس والتأليف.

كما أن هذه التراجم تفيد أن أهم العناصر التي ارتكزت عليها الصلات الثقافية المغربية السودانية أو الإفريقية بصفة عامة تتمثل في:

التمسك باللغة العربية والثقافة الإسلامية، المذهب المالكي والعقيدة السنية الأشعرية، التشبث بالأسانيد العلمية درسًا ورواية، تطور العلاقات التجارية بين البلدين منذ عهد الموحدين، رغبة المغاربة في توسيع نشر الثقافة الإسلامية بالسودان، حضور بلاد السودان في الكتابات المغربية: الحسن الوزان في وصف إفريقيا، وابن بطوطة في رحلته تحفة النظار، وكذا في كتاب ابن فضل الله العمري “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار”. ولعل ما يفيد متانة هذه العلاقات هو إنتاج كتابات باللغة العربية عن تاريخ السودان لبلديين من تنبوكتو، هما محمود كعت في كتابه “تاريخ الفتاش”، وعبد الرحمن السعدي في كتابه “تاريخ السودان”.

وأخيرًا يمكن أن أنعت الدكتور محمد بن شريفة بما نعت به ابن عبد الملك المراكشي عندما قال عنه في الذيل والتكملة: “ولعله كان فريد عصره بالمغرب في سعة الاطلاع وكثرة القراءة، والشغف بالغريب والوقوف على المؤلفات في مختلف العلوم”.

وقد حدثني مشافهة عن ولعه بالقراءة وتسجيل المعلومات تسجيلاً ذهنيًا دقيقًا، فلو شاء تحدث الساعات الطويلة، وحبّر المقالات الكثيرة حول إشارة وردت في كتاباته أو تعليق نبّه إليه في محاوراته، فهو – كما ذكر لي – يقرأ كثيرًا ولا يكتب إلا القليل القليل، وهو ذو حافظة قوية تسعفه على التذكر في أي موضوع طلبه.

الأستاذ ابن شريفة جذوة متقدة في عالم التحقيق، وناسك في محراب العلم والدرس لا يهن ولا يتوقف، وعلم شامخ لا يشق له غبار وسط علماء المغرب والمشرق. وقد لخص الدكتور عبد الحميد مدكور هذا الشموخ بقوله: “يتسم نتاجه العلمي بالعمق والأصالة والتنوع والجدة والحفر المعرفي والمنهجية الصارمة والروح النقدية والالتزام بأخلاقيات البحث العلمي التي تلتزم الإحاطة والتوثيق والموضوعية في التناول”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا