في إطار لقاء علمي دعت إليه منظمة “محامون بلا حدود”، واتحاد المحامين الشباب بهيئة الرباط، اشتد النقاش بين باحثين وممارسين في مجال العدالة حول قضايا الأحداث في المغرب على ضوء مستجدات القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، الذي دخل حيّز التنفيذ في دجنبر الماضي.
وعرف اللقاء العلمي الذي انعقد بالعاصمة الرباط، مساء الجمعة، نقاشاتٍ قانونية معمقة حول قضايا الولوج إلى العدالة وحماية حقوق وحريات الأطفال في تماسٍ مع القانون، وذلك باستحضار النصوص القانونية المؤطرة والتزامات المغرب الدولية تجاه هذه الفئة المجتمعية.
أكد حليم شعيب، عضو الودادية الحسنية للقضاة، أن “قانون المسطرة الجنائية جاء بمكتسبات جوهرية ترسخ الطبيعة اللاعقابية لعدالة الأحداث، بعدما أقر بعدم مسؤولية الحدث الذي يقل سنه عن 12 سنة، واستحدث الفصل 461.1 الذي يمنع متابعته”.
وأوضح شعيب، ضمن كلمته، أن “إقامة الدعوى العمومية في قضايا الأحداث هي حق تستأثر به النيابة العامة حصراً، ولا يمكن للمتضرر أو للادعاء المباشر إقامتها؛ نظراً لأن الهدف الأساسي من هذه الدعوى ليس الانتقام، بل المطالبة بتطبيق تدابير الحماية والتهذيب”، وتحدث أيضا عن “تكريس حق الدفاع ومراعاة البعد النفسي للأحداث، إذ يجوز لهيئة المحكمة والدفاع عدم ارتداء البذلة القضائية أثناء الجلسات، حتى لا يشعر الحدث برهبة المحاكمة أو الخوف من الأجواء المصاحبة لها؛ كما أن الحدث يُحاكَم في جلسة سرّيةٍ لا تحضرها العامة”.
وزاد المتحدث شارحا: “المشرع المغربي نص صراحة على أن محاكمة الأحداث هي ذات طبيعة لا عقابية، إلى درجة أنه لم يسمح بإصدار أحكام بالحبس في حق هذه الفئة لما دون 14 سنة لأجل جناية، وبالنسبة للجنح إذا كان سن المعني بالأمر لا يتجاوز 16 سنة”، مردفا: “العقوبة الحبسية هي الاستثناء، ويمكن كذلك تغييرها إلى تدبيرٍ للتهذيب والحماية”.
فضلا عن ذلك أبرز عضو الودادية الحسنية للقضاة أن “العناية بفئة الأحداث تتم أيضا داخل ردهات المحاكم، حيث يجري تعيين قضاة أكفاء لثلاث سنوات لإدارة ملفات هذه الفئة، استحضارا لخصوصيتها ولضرورات التعامل معها كما ينبغي”.
في سياق ذي صلة أوضح عمر بلمعطية، محام بهيئة الرباط، أن “قانون المسطرة الجنائية ينتصر للمصلحة الفضلى للطفل، من خلال إفراده بابا خاصا بعدالة الأحداث، وسط نداءات متواصلة بإصدار مدونة خاصة بهذه الفئة”، مؤكدا أن “خصوصية الأحداث تبرز ضمن عدد من مواد قانون المسطرة الجنائية، سواء تعلق الأمر بالتحقيق أو بالاعتقال الاحتياطي أو بإقرار التدابير التربوية”.
وأورد بلمعطية، ضمن مداخلته، أن “المستجدات التشريعية باتت تجعل من الاعتقال الاحتياطي للأحداث استثنائيا، ولم يعد كذلك ممكنا اللجوء إلى العقوبة السالبة للحرية”، مبرزا أن هذه المستجدات تستحضر ضرورات الأمر بإجراء البحث الاجتماعي في عدد من الحالات.
واعتبر عضو اتحاد المحامين الشباب بالرباط أن “عدالة الأحداث بخير على مستوى مدينة الرباط، إذ إن جميع الأحداث الذين مروا أمام القضاء في إطار احتجاجات ‘جيل زد’ نالوا البراءة، وتم تسليمهم لذويهم، وهو ما تم أيضا بمدينة سلا”، خاتما: “نتمنى أن يكون هذا المبدأ معمّما لأن السؤال المطروح، اليوم، ليس عن طريقة عقاب الطفل، وإنما عن سُبل حماية المجتمع”.
وأفاد سعدون بأن “المجتمع عادة ما يكون رافضا للإجراءات الودية، وينظر للحدث كمجرم لا كضحية ظروف قاهرة”، مبرزا “وجود تحدّ مرتبط بالتضخم التشريعي، ولا سيما في ما يتعلق بالمادة الجنائية، بعدما بات البرلمان يلجأ إلى سلاح التشريع والعقوبات السالبة للحرية بخصوص أي مستجد مجتمعي”.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن “التنزيل السليم لقانون إحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة ومراكز ومؤسسات الرعاية التابعة لها سيكون أمام تحدي تأمين الميزانيات الكافية، طالما أننا نتحدث عن إحداث بنيات وتوفير لوجيستيات خاصة بهذه الفئة، خاصة أن هناك نقصا في مراكز الإيواء وإعادة الإدماج والنظم المعلوماتية، أمام مساعي تسريع إجراءات النهوض بعدالة الأحداث”.
واتفق حسن الرحية، أستاذ جامعي ومدير مختبر البحث إقلاع: القانون والمجتمع بكلية الحقوق التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، على أن “المشرّع المغربي واضح بشأن تدبير عدالة الأحداث، إذ ميّز بين انعدام المسؤولية (أقل من 12 سنة) ونقصان المسؤولية (أكثر من 12 سنة)”، مؤكدا أن “مسألة إيداع الحدث/الطفل تعتبر تدبيرا استثنائيا، سواء تعلّق الأمر بالسجن أو بمركز مخصص للحماية”.
المصدر:
هسبريس