أحمد عصيد////
يكتسي النقاش الذي دار حول سيارة نقل الموتى أهمية كبيرة، بغض النظر عن مستواه وأسلوب الذين خاضوا فيه، لكنه يظهر أمرا أساسيا: لا يمكن للدولة أن تحصد إلا ما زرعت.
فعلى مدى عقود كنا ننبه المسؤولين إلى أن عبارة “مجتمع محافظ” هي نوع من “الإتيكيت” التي يتم إلصاقها بالمغاربة كما لو أنها صفة جوهرية تتعلق بطبيعتهم، ويتم من خلالها تبرير الكثير من السلوكات التي لا يقبلها الحسّ السليم كما تتعارض مع قيم المواطنة، بينما يتعلق الأمر في الحقيقة بـ”صناعة” تتولاها السياسات العمومية في التعليم والإعلام والشأن الديني، فالمجتمع “محافظ” لأنه أريدَ له أن يبقى كذلك، والمسافة الزمنية التي تمتد وراءنا لربع قرن، رفعت فيها الدولة شعار “المجتمع الحداثي الديمقراطي”، كانت كافية من أجل تأهيل مجتمع جديد بتدرج وذكاء وحكمة، لكن ذلك لم يتمّ، لأن هناك من لا يريد لأي شيء أن يتغير في هذا البلد.
عندما قفزت وزارة الداخلية ووزارة الصحة إلى مستوى صياغة نص قانوني يضمن حياد سيارة نقل الموتى ـ وهي خطوة هامة جدا لأنها تقوم على المفهوم الصحيح للمرفق العمومي الذي يخدم الجميع بدون تمييز ـ فهي لم تنتبه إلى أن تلك الخطوة القانونية لا يمكن تحقيقها بدون مقدمات سابقة، وذلك لأن المواطن المغربي المسلم يرى في سيارة الإسعاف هوية بصرية للمجال العام يطابق شعوره الديني الذي تطبّع عليه، والذي يعي الهوية بشكل اختزالي، كما يربط الدين بشكل عضوي بظاهرة الموت والحياة الأخرى والجزاء والعقاب، وهي كلها مواطن الضعف والهشاشة لدى المؤمن، وتغيير تلك الهوية جعله يشعر كما لو أن شيئا ما انتزع منه، من أجل الاعتراف بالآخر الذي كان يتجاهله دائما ولا يعترف بوجوده أصلا.
وراء هذا الشعور الهوياتي أسلوب تربية قام على نوع من التنميط وفق مصطلح “جماعة المسلمين”، التي كان يتم فيها اختزال كل مكونات المجتمع، تماما كما حدث عندما كانت كلمة “عروبة” عقيدة سياسية قسرية للدولة، وكان كل حديث عن الأمازيغية مثلا يُعتبر مسا بـ”المشاعر الوطنية”، لأن مفهوم الوطنية صيغ في سياق خصوصي على مقاس اهتمامات النخبة البرجوازية المدينية. في هذه النازلة أيضا المغرب في ذهن الكثيرين بلد مسلم ولا يوجد غير المسلمين، واليهود أقلية صغيرة لا تذكر وغيرهم أجانب، هذه هي الصورة الخاطئة التي ترسخت على مدى عقود في ذهن غالبية المواطنين المغاربة المسلمين، وكرستها الدولة بسياساتها، ولم تبذل أي جهد لتربية المغاربة على اكتشاف حقيقتهم، واحترام بعضهم بعضا.
ولعل مشهد قيام أحد الأعوان بتغطية عبارة “نقل أموات المسلمين” بالجرائد، من أجل حمل شخص ميت غير مسلم، مشهد بالغ الدلالة بهذا الصدد، وهو كاف للفت الانتباه إلى أن المرفق العمومي لا يمكن أن يكون في خدمة بعض المواطنين دون البعض الآخر.
وإذا أضفنا إلى هذا العامل عاملا آخر هو وجود تيار سياسي ـ ديني يتربص بالدولة، ويقتات من أخطائها، ويعتبر مظهر سيارة نقل الموتى مناسبة يومية لجلب الأتباع والمريدين، باعتبار فكرة الموت ذريعة أساسية للاستقطاب الإيديولوجي لا تهتم بها الأحزاب والتيارات الأخرى، فسوف ندرك أسباب الحملة على السلطات، والتي استعملت فيها كالعادة وسائل غير شريفة أهمها الإشاعة الكاذبة. فتغيير واجهة سيارة نقل الموتى يلغي الطابع الاختزالي للهوية الدينية، ويجعل الموت ظاهرة طبيعية لا تقتصر على دين أو عقيدة معينة، وهذا في حد ذاته يشكل خطرا على هذه التيارات المسيّسة، والتي يمثل الموت بالنسبة لها رأسمالا رمزيا للتأثر في الأفراد.
على الدولة المغربية إذن العمل على تأهيل المغاربة لتقبل التحولات القادمة، حتى تجد في المجتمع أغلبية تؤازرها وتستجيب لقراراتها في خطوات التحديث والدمقرطة، خاصة وأن المغرب يطمح إلى لعب أدوار هامة قاريا وإقليميا ودوليا، وهي أدوار لا يمكن النجاح فيها بدون ترتيب البيت الداخلي عبر الترسيخ الديمقراطي، والرقي بالوعي المواطن والسلوك المدني للأفراد والمجموعات، ومعالجة المفاهيم الاختزالية من خلال الكشف عن الواقع عوض التستر عليه، وجعل الديمقراطية تربية وتأطيرا من أجل التدبير السلمي للاختلاف، وليس مجرد تمرين انتخابي موسمي.
المصدر:
كود