تعيش مكاتب محاسبين ووسطاء مساطر جبائية هذه الأيام على وقع سباق محموم مع الزمن، بعدما دفعت ديون “الأراضي العارية” آلاف الملزمين إلى التحرك في اللحظات الأخيرة لتسوية وضعيتهم الجبائية قبل انتهاء أجل إيداع إقرارات الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية TNB، الموافق هذه السنة للجمعة المقبل، إذ لجأ ملاك أراض غير مبنية إلى مقدمي الخدمات المشار إليهم خشية زيادة تبلغ 15 في المائة بسبب التأخر، وتفاديا لغرامات ثقيلة قد تتضاعف مع مرور الوقت، مع البحث عن مخرج قانوني يجنبهم نزيفا ماليا إضافيا.
وأكد مهنيون أن مجرد إيداع الإقرار الضريبي داخل الأجل، حتى دون أداء فوري، كفيل بقطع الطريق على الذعائر، غير أن كثيرين لا ينتبهون إلى هذا التفصيل إلا تحت ضغط الإشعارات. وفي خلفية هذا المشهد تلوح إجراءات تحصيل جبري قد تباشرها المصالح الجبائية، بما في ذلك الحجوزات والمتابعات، ما يجعل موسم التصاريح يتحول هذه السنة، بعد دخول القانون 14.25 المعدل للقانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية حيز التنفيذ، إلى فترة انتعاش استثنائية لأنشطة المحاسبين و”سماسرة” الإعفاءات، في سباق لتقليص الخسائر قبل فوات الأوان.
وتزامن الإقبال الطوعي على تسوية الوضعية الجبائية لـ”الأراضي العارية” مع تزايد وتيرة التحصيل الجبري ضد المتخلفين عن الإقرار والأداء برسم سنوات ماضية، ودخول مقتضيات جديدة ضمن دورية لوزير الداخلية استهدفت “أجرأة” الإطار القانوني المشار إليه، إذ ألزمت مجالس الجماعات بتحيين القرارات الجبائية، من خلال اتخاذ مقررات يتم بموجبها تحديد سعر الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، الذي ستختلف قيمته حسب تجهيز الأرض وقربها من المرافق الضرورية والحيوية.
يرتقب أن يحدث تقدم تنفيذ قانون الجبايات المحلية الجديد رقم 14.25 تحولا مهما في طريقة احتساب الرسم على الأراضي غير المبنية، إذ أصبح تطبيق التعريفة الجديدة رهينا بمسطرة إدارية دقيقة تمر عبر إعداد خرائط محينة، وتصنيف القطاعات حسب مستوى التجهيز، ثم اعتماد مقرر جبائي من طرف المجلس الجماعي ومصادقة سلطة الوصاية عليه، على أن تدخل التعريفات الجديدة حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يناير من السنة الموالية للمصادقة. ويهدف هذا النظام إلى ربط قيمة الرسم فعليا بمستوى البنيات التحتية والخدمات المتوفرة بكل منطقة.
في هذا السياق أكد إبراهيم أسوار، خبير محاسب وصاحب مكتب لخدمات المحاسبة والتوطين بالدار البيضاء، في تصريح لهسبريس، أن “التغييرات الجديدة تفرض على ملاك الأراضي تتبع تصنيف عقاراتهم بدقة، لأن الفارق في مستوى التجهيز قد يضاعف قيمة الضريبة أو يخفضها بشكل كبير”، مشيرا إلى أن فهم المسطرة الإدارية والاطلاع على المقررات الجبائية الصادرة عن الجماعات أصبحا ضروريين لتفادي أي مفاجآت مالية، وكاشفا أن الأمثلة الرقمية المتداولة تظهر بوضوح كيف يمكن أن تنتقل الضريبة من 10 آلاف إلى 25 ألف درهم سنويا في بعض الحالات.
وشدد أسوار على أن “استمرار إلزامية التصريح والأداء قبل فاتح مارس من كل سنة يعني أن المسؤولية تبقى على عاتق الملزم، في انتظار إطلاق المنصة الرقمية المرتقبة”، معتبرا أن توجه وزارة الداخلية نحو رقمنة التصريح والأداء وتعيين قباض جماعيين متخصصين سيساهم في تعزيز فعالية التحصيل وتحديث الإدارة الجبائية المحلية، لكنه يتطلب في المقابل استعدادا أكبر من طرف الملزمين للتأقلم مع التحولات الجديدة.
أكدت دورية وزير الداخلية الصادرة بتاريخ 5 غشت 2025 أن شروط الاستفادة من الإعفاءات الكلية المؤقتة من الرسم على الأراضي غير المبنية (TNB)، وكذا مساطر معالجة طلباتها، لم يطرأ عليها أي تعديل، رغم الإصلاحات الجبائية الأخيرة. ويكرس هذا التوضيح مبدأ الاستمرارية القانونية ويحافظ على الحقوق المكتسبة للمالكين، سواء تعلق الأمر بالإعفاءات الدائمة المنصوص عليها في المادتين 41 و42 من القانون الإطار رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، أو بالإعفاءات المؤقتة المرتبطة بعدم توفر شبكات الماء والكهرباء، أو بوجود منع قانوني من البناء بموجب وثائق التعمير، أو بكون العقار في طور التهيئة أو البناء بناءً على رخص قانونية سارية.
محمد أمين بنرحمون، خبير محاسب ومتخصص في السياسات الضريبية، أوضح بهذا الخصوص أن “تأكيد وزارة الداخلية على عدم تغيير شروط الإعفاء يعكس توجها نحو تعزيز الاستقرار الجبائي، وهو عنصر أساسي لجذب الاستثمار وضمان الثقة بين الملزمين والإدارة”، مؤكدا أن الإبقاء على الشروط والمساطر نفسها “يحصن المراكز القانونية للمالكين الذين كانوا يستفيدون من الإعفاء أو تتوفر فيهم شروطه، ويحد من أي تأويلات قد تؤدي إلى فرض ضريبي غير مستحق على المستوى المحلي”.
وشدد بنرحمون، في تصريح لهسبريس، على أن “الاستفادة الفعلية من الإعفاء تبقى رهينة باحترام المسطرة القانونية وإعداد ملف متكامل ومدعم بوثائق تقنية دقيقة، خاصة ما يتعلق بإثبات الصفة غير القابلة للبناء أو غياب التجهيزات الأساسية أو تحديد المساحة الخاضعة فعلياً للضريبة”، منبها إلى أن الاستعانة بخبرة تقنية لإعداد تصميم وشهادة للمساحة الخاضعة للضريبة يمكن أن يجنب المالكين حالات التضريب المفرط، وداعيا إلى إيداع الطلبات داخل الآجال القانونية تفاديا لأي نزاع محتمل مع الإدارة الجبائية.
وأجمع الخبراء في الختام على أن المرحلة الجديدة من تقنين الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية أصبحت تفرض على الملاك مزيدا من اليقظة والاطلاع، من خلال التواصل مع الجماعات المحلية المحتضنة لأراضيهم لمعرفة التصنيف الجديد لعقاراتهم والتعريفة المطبقة عليها، نظرا لما قد يترتب على ذلك من أثر مالي مهم، سواء بالزيادة أو النقصان. كما ينصح بالاستعانة بخبرة مهندسين مساحين طبوغرافيين لتحليل الوضعية العقارية، والتحقق من إمكانية الاستفادة من الإعفاءات، وضمان الامتثال الكامل للمقتضيات القانونية الجديدة.
المصدر:
هسبريس