آخر الأخبار

أش درتو لينا في اللقاح د كوفيد.. مايسة نموذجا للمغاربة الجدد

شارك

هبة بريس – ياسين الضميري

في زمن صرنا فيه نقيس درجة حرارة النقاش بعدد المشاهدات لا بعدد الحجج، فرضت علينا مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة مشاهدة بعض المقتطفات من مقاطع فيديو تخص المسماة مايسة، لم أبحث عنها، لكنها بحثت عنا جميعا بخوارزميات لا ترحم.

يبدو أن الطريق إلى الأضواء لم يعد يمر عبر الاجتهاد في الفكرة، بل عبر الاجتهاد في إثارة العاصفة، فحين تخفت الأضواء قليلا، لا بأس من إشعال حريق صغير في زاوية حساسة، ثم الوقوف بعيدا لمتابعة الدخان وهو يصعد مصحوبا باللايكات.

في فيديو أول، اختارت مايسة وصفة مضمونة لصناعة “البوز” الافتراضي، السباحة عكس التيار في شهر رمضان، والإعلان أنها لا تصوم، بل وذهبت أبعد من ذلك بالتصريح أنها غير مسلمة منذ سنوات، مع مطالبة بتغيير قانون تجريم الإفطار العلني، خلطة تجمع بين الدين والقانون والشهر الفضيل، فمن يرفض طبق الجدل هذا؟

الفيديو قد يكون در دولارات مهمة، كما در سيلا من التعليقات، بعضهم انتقد، بعضهم دافع، وأغلبهم اختار الطريق السهل “تبارك الله عليك راك عاجبانا”، في عالم مارك زوكربيرج، يكفي أن تعجبينا حتى لو لم نفهم ماذا تقولين.

ثم جاء الفيديو الثاني، هذه المرة بردود على الشيخ الفيزازي، حيث ارتفعت النبرة واشتد الإيقاع، وانتقل النقاش من الرأي إلى ما يشبه المبارزة الكلامية، وحين يشتد الصخب، تضيع الفكرة ويعلو التصفيق.

اللافت بين المقطعين ليس فقط المضمون، بل “الخلفية”، هناك دائما رمز حزب المغاربة الجدد يطل في الصورة كضيف شرف لا يتكلم، لكنه حاضر في كل لقطة، وكأن الرسالة تقول: قد نختلف حول الفكرة، لكن لا تنسوا الشعار.

السياسة في زمن “السوشيال ميديا” لم تعد تحتاج إلى برنامج مفصل، يكفي برنامج مونتاج جيد، فبدل عقد اللقاءات التأطيرية، يمكن عقد بث مباشر، وبدل النقاشات الفكرية، يكفي تصريح صادم في توقيت محسوب بعناية و دقة.

مايسة التي غيرت في الأشهر الأخيرة انتماءاتها الحزبية أكثر مما غير كثيرون صور حساباتهم، كانت تمني النفس بالترشح مستقلة، و قبل ذلك بتأسيس حزب، و لما لا خطف الأنظار من نبيلة منيب، التي يبدو أن تقليد حركاتها ونبرتها أسهل من تقليد مسارها النضالي.

لا أحد يعترض على حرية التعبير، فهي حق يكفله القانون والعقل، لكن بين التعبير عن رأي، وبناء استراتيجية براغماتية تقوم على استفزاز أكبر عدد ممكن من الناس في لحظة رمزية، خيط رفيع إسمه المسؤولية.

قبل أيام عاد إسم سكينة إلى الواجهة بعد مغادرتها سجن عكاشة، وعاد معه شغف الميكروفونات الملونة بكل ما يثير، بين سكينة ومايسة قاسم مشترك: لا يهم الطريق ما دام يؤدي إلى الواجهة.

في هذا المسرح الرقمي، هناك دائما جمهور جاهز بدور الكومبارس، يردد “واصلي راك عاجبانا”، “أنت قوية”، “أنت شجاعة”، جمهور يمنحك إحساس البطولة في المساء، لكنه ينسى إسمك في الصباح حين يظهر بطل جديد أكثر جرأة.

ديننا الذي لم يعد يرق لمايسة، ربما، كما تحاول الترويج لذلك، يفرض علينا النصيحة، والنصيحة هنا ليست وصاية، بل تذكير بسيط، الضجيج وسيلة، لكنه ليس مشروعا، و “البوز” لحظة، لكنه ليس مسارا.

“يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه”، آية تذكرنا بأن لكل إنسان لحظة يقف فيها وحده، بلا جمهور ولا تعليقات ولا بث مباشر.

فهل سنحول حتى هذه المعاني إلى مادة للجدل من أجل مزيد من المشاهدات؟ أم سنعترف بأن بعض الأمور أكبر من أن تختزل في مقطع مدته عشر دقائق؟

يبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون بنبرة ساخرة: أش درتو لينا في لقاح كوفيد حتى صرنا نرى كل هذا التطرف الفكري والبحث المحموم عن البوز؟ ربما اللقاح بريء، وربما نحن فقط اكتشفنا أن الطريق إلى الهدف قد يمر عبر أقصر مسافة بين الاستفزاز و “الترند”.

أخيرا، نذكر أن أصحاب نجمة 6 الذين يدمنون التعليق في مواقع التواصل الاجتماعي، هواة “زند العافية” و “صحاب راك عاجبانا” لا يصوتون في الانتخابات لأنهم يعتبرون كل من يدخل السياسة “شفار”، الحالة الوحيدة التي تجعل بعضهم يصوت ربما هو “الزرقالاف”، أما الشعارات و الخطب الفارغة “مكتعمرش القفة” حسبهم، فلا داعي لإضاعة المجهود و افتعال الحرائق لأن الدخان فقط “كايخنز” رائحة صاحبه…

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا