في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد أحمد بوز أن التجربة التي عاشها ضمن فريق إحدى أبرز المنابر المستقلة خلال مرحلة الانتقال بين أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني وبداية عهد الملك محمد السادس، تأسست على قناعة راسخة بأن المغرب كان يسير في مسار انتقال سياسي، رغم ما رافق ذلك من تعثرات اعتُبرت جزءا من مخاض التحول.
وخلال الحلقة السابعة من برنامج “شهادات خارج النص”، أوضح بوز أن هيئة التحرير كانت تنظر إلى نفسها كجزء من صحافة حقيقية “محترمة”، تنشغل بالقضايا السياسية والحقوقية الكبرى، وترفض الانكفاء إلى المجالات الهامشية. وأضاف أن الهدف لم يكن الاصطدام مع المؤسسة الملكية أو تبني مواقف عدائية، بل ممارسة دور مهني يقوم على مساءلة السياسات العمومية والانخراط في النقاش العام من موقع الاستقلالية.
اتهامات بالأجندة.. وقناعة بالمضمون
وأشار بوز إلى أن الصحافة المستقلة في تلك المرحلة وُوجهت باتهامات متكررة بخدمة أجندات سياسية، داخلية أو خارجية، والسعي إلى لعب دور “معارضة بديلة” أو تفتيت الأحزاب السياسية. غير أن هذه الانتقادات، بحسب تعبيره، لم تؤثر في العمل اليومي داخل المؤسسة، حيث كانت القناعة بالمضمون التحريري وطريقة معالجة القضايا كافية للرد على تلك الاتهامات.
وشدد على أن سقف العمل الصحافي لم يكن محددا إلا بالمصلحة الوطنية والاستقرار، مع الحرص على عدم السقوط في أي توظيف أو اصطفاف، بما في ذلك الاصطفاف مع جهات داخل الدولة. ولفت إلى أن الدولة، بحكم طبيعتها، تسعى إلى إبراز المنجزات والجوانب المضيئة، بينما اختارت الصحيفة مقاربة تقوم على إبراز الإيجابي متى وُجد، دون أن يمنعها ذلك من الوقوف عند الاختلالات وانتقاد الازدواجية بين البرامج الحكومية والتعاقدات الانتخابية، أو التباينات في تنزيل مقتضيات الدستور.
“سنوات الرصاص”.. الاستثمار في الديمقراطية
وفي حديثه عن مواكبة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، اعتبر بوز أن الصحيفة لم تكن مجرد ناقل أو موثق لمرحلة “سنوات الرصاص”، بل انخرطت في توسيع دائرة الحرية من خلال إعادة طرح ملفات الماضي في سياق الدفاع عن الانتقال الديمقراطي.
وأوضح أن استحضار الماضي لم يكن هدفا في حد ذاته، بل وسيلة للاستثمار في الديمقراطية وضمان عدم تكرار الانتهاكات. واستحضر في هذا السياق تجربة إسبانيا بعد مرحلة فرانكو، معتبرا أن جوهر العدالة الانتقالية يكمن في ترسيخ دولة الحق والقانون، بما يشكل أكبر تعويض معنوي للضحايا.
وأكد أن هامش الحرية الذي طبع بدايات العهد الجديد لم ينشأ فجأة، بل سبقه مسار انطلق منذ تسعينيات القرن الماضي، شمل إطلاق سراح معتقلين سياسيين وعودة منفيين وتأسيس مؤسسات حقوقية، قبل أن يتعزز مع التحولات السياسية اللاحقة.
أخبار القصر.. بين النقاش والاختيار التحريري
غير أن هذا المسار، بحسب بوز، عرف تحولا بعد أحداث 16 ماي 2003، التي أفرزت سياقا أمنيا وسياسيا أكثر صعوبة، انعكس على حرية الصحافة. وأوضح أن العمل الصحافي بعد تلك المرحلة أصبح يتم بقدر أكبر من الحذر، مع استمرار نشر الملفات الحساسة ولكن في ظل إدراك لاحتمال ردود فعل قاسية.
وأشار إلى أن المؤسسة التي اشتغل فيها عانت من تضييق وخنق اقتصادي وأحكام قضائية اعتُبرت، من وجهة نظرها، “ضريبة الجرأة” وثمن حماية الخط التحريري. وأضاف أن خيار مهادنة بعض مراكز النفوذ أو رجال الأعمال كان مطروحا من الناحية العملية، لكنه لم يكن متسقا مع القناعات المهنية، لذلك جرى تغليب ما سماه “الرأسمال الرمزي” للمنبر على المكاسب المادية.
وفي ما يتعلق بالتعامل مع الأخبار المرتبطة بالقصر، نفى بوز أن تكون قد فُرضت عليه رقابة مباشرة أو تعليمات ملزمة. وأكد أن النقاش كان قائما داخل هيئة التحرير حول جدوى بعض الأخبار أو توقيتها، دون أن يتحول ذلك إلى “مقص رقابي”بالمعنى التقليدي.
وأوضح أن بعض المعطيات المرتبطة بالمؤسسة الملكية كانت تخضع لتقدير مهني، قد يفضي أحيانا إلى تأجيل النشر أو إعادة صياغته، لكنه شدد على أن عددا من الملفات الجريئة نُشر بالفعل في تلك الفترة، لدرجة أن البعض يستغرب اليوم صدورها في السياق المغربي آنذاك.
وعن واقع الصحافة اليوم، اعتبر بوز أن المناخ العام يعرف نوعا من “الجزر” في ما يتعلق بالحريات، سواء في المغرب أو على المستوى الدولي. وأشار إلى أن هشاشة القطاع اقتصاديا، وتحول عدد من الصحافيين إلى وضعية أقرب إلى الموظفين، يطرحان تحديات حقيقية أمام استقلالية القرار التحريري.
ورأى أن التجربة التي عاشها كانت نتاج توازن بين هامش انفتاح قائم آنذاك، وجرأة مهنية، ومقاومة للإغراءات، إضافة إلى تنافس بين المنابر حول من يلامس أكثر الملفات حساسية. وخلص إلى أن الصحافة المستقلة أدت، في نظره، جزءا من رسالتها في تلك المرحلة، وأسهمت في توسيع دائرة النقاش العمومي، حتى وإن تغيّرت الشروط والسياقات لاحقا.
المصدر:
العمق