أصدر محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، دورية توجيهية تحت رقم 26/06 موجهة إلى الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف ورؤساء المحاكم الابتدائية، تعلن الشروع الرسمي في تطبيق القانون رقم 70.24، القاضي بتغيير وتتميم الظهير الشريف رقم 1.84.177 الصادر سنة 1984 المتعلق بالتعويض عن حوادث السير.
ويمثل هذا النص التشريعي محطة مفصلية في مسار تحديث منظومة التعويض، بعد أربعة عقود من العمل بإطار قانوني ظل موضوع انتقادات واسعة بسبب محدودية سقوف التعويضات وجمود آليات احتسابها، في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة شهدها المغرب.
مراجعة سقف التعويضات
أولى القانون الجديد أهمية خاصة للجانب المالي، عبر الرفع المباشر للقيمة المرجعية المعتمدة في احتساب التعويضات. فقد تم رفع الحد الأدنى السنوي للأجر من 9270 درهماً إلى 10270 درهماً بشكل فوري، مع إقرار زيادة تصاعدية قدرها 1000 درهم سنوياً ابتداء من فاتح يناير من السنة الرابعة الموالية لدخول القانون حيز التنفيذ، أي سنة 2030، ليبلغ 14270 درهماً.
كما أنهى النص التشريعي الارتباط السابق بين الحدين الأدنى والأقصى للأجر المعتمد في التعويضات ونظام الوظيفة العمومية (السلم 1)، معتبراً أن هذا الربط لم يعد يعكس التحولات الحاصلة في بنية الأجور. وبموجب التعديل الجديد، تم اعتماد آلية أكثر مرونة واستقلالية في تحديد القيم المرجعية.
وفي السياق ذاته، تم نسخ الجدول الملحق القديم وتعويضه بجدول جديد يتضمن رساميل معتمدة مضبوطة وفق سن الضحية وأجره السنوي، بما يضمن دقة أكبر في احتساب التعويضات وتفادي التفاوتات التي كانت تثار أمام المحاكم.
ومن أبرز المستجدات التقنية التي جاء بها القانون، اعتماد صيغة حسابية واضحة لتحديد “رأس المال المعتمد” في الحالات التي لا يتطابق فيها أجر الضحية مع القيم المحددة في الجدول الجديد.حيث يمثل الأجر 1 والأجر 2 القيمتين الدنيا والعليا المحيطتين بأجر المصاب الفعلي، بما يسمح بتحديد تعويض أقرب إلى الوضعية الواقعية للضحية، ويحد من الاجتهادات المتباينة.
توسيع المصاريف القابلة للاسترجاع
وسّع القانون الجديد نطاق المصاريف المشمولة بالتعويض بشكل لافت، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة على مستوى حماية حقوق الضحايا.
ففي ما يتعلق بمصاريف الجنازة ونقل الجثمان، أحال النص على صدور نص تنظيمي يحدد الحد الأدنى لمصاريف الجنازة، مع اعتماد معايير واضحة لنقل الجثامين تأخذ بعين الاعتبار مكان الدفن والمسافة المقطوعة.
كما شمل التعويض مصاريف إصلاح أو استبدال الأجهزة المتضررة جراء الحادث، من قبيل الأطراف الاصطناعية والكراسي المتحركة، إضافة إلى كافة حصص الترويض الطبي الضرورية لاسترجاع الحركات العادية.
وعلى مستوى التعويض المعنوي، نص القانون صراحة على استثناء التعويض عن الألم المعنوي الناتج عن الوفاة، وكذا مصاريف الجنازة ونقل الجثمان، من مبدأ “تشطير المسؤولية”، بما يعزز مركز المتضررين في مواجهة شركات التأمين.
حماية معززة للفئات الهشة والأطر العليا
عزز القانون الجديد الحماية الاجتماعية لفئات اعتُبرت الأكثر هشاشة. فقد تم رفع نسبة التعويض الممنوح للأصول (الوالدين) الذين فقدوا مورد عيشهم إلى 30 في المائة إذا كان أحدهما مصابا بعاهة، وإلى 25 في المائة لكل واحد منهما إذا كان كلاهما مصاباً.
كما وسّع دائرة المستفيدين من احتساب “ثلاثة أمثال الحد الأدنى للأجر” لتشمل خريجي سلكي الماستر والدكتوراه الذين لم يلجوا سوق الشغل بعد، في اعتراف صريح بالقيمة الاعتبارية لمسارهم الأكاديمي.
وبالنسبة للأجراء الموسميين أو الذين اشتغلوا أقل من 12 شهرا قبل الحادث، أقر القانون اعتماد متوسط ما تقاضوه فعلياً وما كانوا سيتقاضونه لو استمروا في العمل لإتمام السنة، ضماناً لعدم الإضرار بهذه الفئة.
إصلاح عميق لآجال التقادم
في محور لا يقل أهمية، أعاد القانون النظر في آجال التقادم التي كانت تشكل أحد أبرز أسباب ضياع حقوق الضحايا.
فقد تم رفع أجل التقادم من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، تحتسب ابتداء من تاريخ توصل المصاب بعرض شركة التأمين أو من تاريخ رفضه، أو بعد مرور 60 يوماً على طلب الصلح دون رد.
كما تقرر وقف سريان التقادم طيلة مدة الدعوى العمومية المعروضة أمام القضاء الزجري، إلى حين صدور حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، إضافة إلى رفع أجل التقادم المتعلق بتفاقم الأضرار إلى خمس سنوات سواء في مواجهة شركة التأمين أو أمام المحكمة المختصة.
وأكدت الدورية أن مقتضيات القانون رقم 70.24 دخلت حيز التنفيذ ابتداء من 29 يناير 2026، تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، باستثناء المقتضيات المرتبطة بنماذج الشواهد الطبية المعتمدة، التي أُرجئ العمل بها إلى حين صدور نص تنظيمي خاص يحدد هذه النماذج.
وختم عبد النباوي توجيهاته بدعوة القضاة إلى التحلي بالنجاعة القضائية في تنزيل هذه المقتضيات، معتبرا إياها أمانة لتعزيز حقوق الضحايا وترسيخ الأمن القانوني، كما حث على تنظيم موائد مستديرة لتدارس الإشكالات التطبيقية وتطوير الاجتهاد القضائي بما يواكب روح الإصلاح وأهدافه.
المصدر:
العمق