آخر الأخبار

سينما الوجوه .. مرآة انكسارات تُصَير الملامح لغةً والإنسان مجرد حكاية

شارك

تبدأ سينما الوجوه حين ينسحب الحدث إلى الخلف، ويصعد الإنسان عاريًا إلى الإطار السينمائي، ويبدو وجهًا بلا حماية، وبلا بلاغة، ويواجه الكاميرا كما يواجه مصيره. هنا لا تُروى الحكايات، بل تُحدّق فينا. ويصبح الوجه وثيقة قلق، ومساحة اعتراف، ومرآة لانكسارات لا تُقال. فماذا يخفي هذا الوجه وهو يكشف كل شيء؟ وهل الملامح حقيقة أم أثر جريمة داخلية؟ وإلى أي مدى يمكن للنظرة أن تكون موقفًا أخلاقيًا، أو إدانة صامتة للعالم؟ في هذه السينما، تتفجر إشكاليات الهوية والعزلة والذنب والرغبة في النجاة، ويغدو الصمت لغة مكتملة. هكذا ردد هانيبال ليكتر في تسعينيات القرن الماضي، في فيلم The Silence of the Lambs / “صمت الحملان” (1991): “سمحتُ لك أن تراني”، وهي عبارة تختصر جوهر سينما الوجوه، حين يصبح الظهور نفسه مخاطرة وجودية.

سينما رد الاعتبار

تُعدّ سينما الوجوه واحدة من أكثر التيارات السينمائية شاعرية وعمقًا، لأنها تنطلق من أبسط عنصر بصري في الفيلم: الوجه الإنساني، لكنها بالمقابل من أكثرها تعقيدًا من حيث الدلالة والمعنى. وفي هذا النوع من السينما لا يكون الوجه مجرد حامل للانفعال، بل هو نص بصري مستقل، وساحة تتقاطع فيها النفس والذاكرة والتاريخ والسياسة والهوية. لا تلاحق الكاميرا هنا الحدث بقدر ما تُنصت إلى الملامح، ولا تشرح القصة بقدر ما تتركها تتسرب من العينين، ومن الصمت، ومن التجاعيد الخفيفة حول الفم.

وتقوم سينما الوجوه على الإيمان بأن الوجه الإنساني هو أكثر العناصر صدقًا في السينما، وأنه قادر على حمل المعنى دون وساطة الحوار أو الحبكة التقليدية. إنها سينما تُراهن على القرب، على اللقطة القريبة جدًا، وعلى الزمن الممتد الذي يسمح للوجه بأن “يفكر” أمامنا. وفي هذا السياق، لا يعود الأداء تمثيلًا خارجيًا، بل هو حضور داخلي، أشبه باعتراف صامت.

وترتكز العلاقة بين سينما الوجوه والسرد التقليدي؛ فهي غالبًا ما تُتهم بالبطء أو بالتجريد، أو بأنها نخبوية، لكن هذه الإشكالية هي في جوهرها تعبر عن سؤال وعن وظيفة السينما نفسها: هل هي حكاية تُروى، أم تجربة تُعاش؟ وتنحاز سينما الوجوه إلى التجربة، وإلى الإحساس، وتقبل المخاطرة بأن تترك فراغات يتعين على المشاهد أن يملأها بخبرته الخاصة. كما تطرح إشكالية أخرى تتعلق بالأخلاق البصرية: إلى أي مدى يحق للكاميرا أن تقتحم الوجه، أن تفضحه، أو أن تحوّله إلى موضوع للتأمل؟

وتدور هذه السينما حول الهوية، الزمن، الذاكرة، العزلة، والكرامة الإنسانية. ولا يعتبر الوجه هنا جميلًا بالضرورة، وإنما يتعلق الأمر بدرجة الصدق، لذلك نجد حضورًا قويًا للوجوه غير النمطية، الوجوه المتعبة، المسنّة، أو الصامتة. إنها سينما تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائنًا هشًا، وتقاوم تحويله إلى صورة استهلاكية.

هوية التقشف وسلطة القيادة

تقوم “سينما الوجوه” على أن المعنى لا يُقال بل يُرى، وأن الصمت يمكن أن يكون أكثر بلاغة من الكلام. ويصبح الوجه موقعًا فلسفيًا، كما عند إنغمار برغمان، حيث تتحول الملامح إلى سؤال وجودي. وفي فيلم Persona / “القناع” (1966)، تقول شخصية ألما: “أشعر أحيانًا أن وجهي ليس لي”، في لحظة تختزل فكرة الفيلم عن انقسام الذات وتلاشي الحدود بين الأقنعة والحقيقة.

وتبدو قصص وحكايات سينما الوجوه في غالبيتها بسيطة ظاهريًا، لكنها عميقة داخليًا. لا تعتمد على الحبكات المعقدة، بل هي حالات إنسانية مكثفة. ويقترب السرد إلى التأمل منه إلى الحكاية الخطية. في فيلم La Passion de Jeanne d’Arc / “آلام جان دارك” (1928)، لا تُروى القصة عبر الأحداث الكبرى، وإنما عبر وجه ماريا فالكونيتي، الذي تحوّل إلى أيقونة سينمائية، حيث تقول البطلة: “أنا أسمع أصواتًا، لكنها لا تخيفني”، وتكفي نظرتها المرتعشة ليشعر المشاهد بثقل الإيمان والخوف معًا.

وتعتمد البنية السردية في سينما الوجوه على التكرار واللقطات الطويلة، والزمن الحقيقي. وتميل الهوية الخطابية إلى التقشف، حيث تقل الموسيقى، ويُختصر الحوار، وتُمنح الصورة سلطة القيادة. وتشتغل هذه السينما على المستويات الجمالية على الضوء والظل والملمس، وعلى التفاصيل الدقيقة للملامح. ويُصوَّر الوجه كمنظر طبيعي، له تضاريسه الخاصة.

وتمتد الخلفيات الفكرية والفلسفية لهذا التيار من الفينومينولوجيا، التي ترى في التجربة الحسية أساسًا للمعرفة، إلى الوجودية، التي تضع الإنسان الفرد في مواجهة ذاته والعالم. كما تتقاطع مع أفكار إيمانويل ليفيناس حول الوجه بوصفه نداءً أخلاقيًا، حيث يقول إن الوجه “يخاطبنا قبل أي كلام”. وهذا البعد الأخلاقي يظهر بوضوح في أفلام المخرج روبرت بريسون، مثل فيلم Pickpocket / “النشال” (1959)، حيث يقول البطل: “لم أكن أبحث عن المال، بل عن شعور لا أفهمه”، ويُقال هذا أكثر بالوجه منه بالكلمات.

ونجد في تاريخ السينما نماذج بارزة لسينما الوجوه. ففي فيلم “آلام جان دارك”، وفي فيلم Persona، وفي فيلم Vivre Sa Vie / “أن تعيش حياتها” (1962) للمخرج جان-لوك غودار، حيث تقول نانا: “أريد أن أعرف لماذا أنا حزينة”، بينما تلتقط الكاميرا وجهها في صمت طويل يحول السؤال إلى تجربة بصرية. وكذلك في سينما المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو، حيث الوجوه الهادئة تخفي زلازل عاطفية، كما في فيلم Tokyo Story / “قصة طوكيو” (1953).

ولا يمكن النظر إلى صورة الوجه في السينما بأنها ثابتة؛ إنها تتغير بتغير السياق الثقافي والتاريخي. ففي السينما الصامتة كان الوجه هو اللغة الأساسية. ومع تطور الصوت، بقي الوجه حاملًا لمعنى أعمق من الحوار. وتذكّرنا سينما الوجوه بأن الكاميرا ليست مجرد أداة تسجيل، بل هي وسيلة تفكير. إنها سينما تُنصت للإنسان، وتمنحه الوقت ليكون مرئيًا حقًا.

ولا تُعتبر “سينما الوجوه” نوعًا مغلقًا، بل هي موقف جمالي وأخلاقي من العالم. إنها دعوة إلى التمهل، إلى النظر طويلًا، وإلى الاعتراف بأن أبسط الأشياء، كوجه إنسان، قد تحمل أكثر الأسئلة تعقيدًا عن الوجود، والمعنى، والكرامة.

سينما الوجوه: حين يتحول النظر إلى حدث

إذا كانت سينما الوجوه تقوم على الإيمان بأن الوجه نص بصري مستقل، فإن مشاهدها الجمالية هي لحظات الذروة التي يتكثف فيها هذا الإيمان ويصبح تجربة لا تُنسى. وفي هذه المشاهد لا يحدث “شيء” بالمعنى السردي التقليدي، ومع ذلك يحدث كل شيء. وهنا يتباطأ الزمن، ويتلاشى الزمن، وتقترب الكاميرا إلى حدّ يكاد يكون اعترافًا. وهنا يصبح النظر فعلًا دراميًا، ويغدو الصمت لغة كاملة.

ومن أكثر المشاهد الجمالية حضورًا في تاريخ هذه السينما، مشهد وجه البطلة جان دارك في فيلم “آلام جان دارك” (1928). لا تبحث الكاميرا عن البطولة في الفعل، وإنما في الاحتمال الإنساني. تقول جان دارك: “أنا لست خائفة، أنا فقط متعبة”، والجملة، على بساطتها، تتحول عبر الوجه المرتجف إلى بيان عن الإيمان والضعف معًا. ولا تتعلق الإشكالية في ما يُقال، وإنما في قدرة السينما على تحمّل هذا القرب الحاد من الألم دون أن يتحول إلى استغلال بصري.

وفي فيلم “القناع” لإنغمار برغمان، يبلغ الوجه ذروة انقسامه. فمشهد اندماج وجهي المرأتين، حيث تتراكب الملامح في لقطة واحدة، ليس مجرد حيلة تقنية، بل هو أطروحة كاملة عن الهوية، حيث تقول إحدى الشخصيتين: “أنا لا أعرف أين أنتهي وأين تبدأين”، وتصبح العبارة تعليقًا على فعل المشاهدة نفسه. ويطرح هذا المشهد إحدى أهم إشكاليات سينما الوجوه: إلى أي مدى يمكن للوجه أن يكون مرآة للآخر؟ وهل القرب الشديد يكشف الحقيقة أم يذيبها؟

وفي سينما المخرج الفرنسي روبرت بريسون، تتخذ المشاهد الجمالية شكلًا معاكسًا؛ وجوه شبه محايدة، منزوعة الزخرفة. وفي فيلم Pickpocket / “النشال”، هناك مشهد أخير يقف فيه البطل خلف القضبان، ووجهه أخيرًا يعترف بما لم يعترف به الفيلم كله. يقول: “يا لها من طريق غريبة قادتني إليك”، ويكفي تغير طفيف في العينين ليشعر المشاهد بأن الخلاص حدث داخليًا قبل أن يكون دراميًا. وتكمن الإشكالية هنا في تقشف الأداء: هل يمكن للوجه الصامت أن يحمل كل هذا المعنى دون أن يبدو باردًا؟ يجيب بريسون بأن البرودة الظاهرية قد تكون أقرب الطرق إلى الصدق.

أما المخرج الفرنسي جان-لوك غودار، فيحوّل الوجه إلى مساحة تفكير علني. ففي فيلم Vivre Sa Vie / “أن تعيش حياتها”، يجلس وجه نانا طويلًا أمام الكاميرا وهي تشاهد فيلمًا عن جان دارك. وتقول: “أحيانًا أشعر أن الدموع ليست لي”، ويتحول وجهها إلى وسيط بين تاريخين من الألم الأنثوي. المشهد أيقوني لأنه يضع وجهًا يشاهد وجهًا آخر، في طبقة تأمل مزدوجة حول السينما نفسها. وتكمن الإشكالية هنا في وعي الوجه بكونه مُشاهَدًا، ووعي المشاهد بأنه متورط في هذا التحديق.

وفي السينما اليابانية، تتجلى المشاهد الجمالية في الهدوء. ففي فيلم “قصة طوكيو” (1953) للمخرج ياسوجيرو أوزو، هناك مشهد طويل لوجه الأم وهي تستمع، أكثر مما تتكلم، حينما تقول بهدوء: “هكذا هي الحياة”، والجملة تمر بلا تأكيد درامي، لكن الوجه يحمل ثقل الفقد والقبول معًا. وتعبر الإشكالية هنا عن مقاومة الميلودراما؛ وكيف يمكن لمشهد بهذه البساطة أن يكون جماليًا؟ ويكمن الجواب في ثقة السينما بالوجه كحامل للزمن، لا للحدث.

وواصلت “سينما الوجوه” مسار هذا الإرث بطرق مختلفة. وفي فيلم Blue Is the Warmest Color / “الأزرق هو اللون الأدفأ” (2013)، تتحول اللقطات القريبة جدًا إلى اختبار أخلاقي، حينما تقول أديل: “أنا لا أعرف كيف أكون إلا كما أنا”، والوجه، بكل عريه العاطفي، يضع المشاهد أمام سؤال حدود الخصوصية. وهنا تبرز إحدى أكثر الإشكاليات المعاصرة حدة: متى يصبح القرب كشفًا، ومتى يتحول إلى تعدٍّ؟

ولا تُحفظ المشاهد الجمالية في سينما الوجوه لأنها جميلة فقط، وإنما لأنها تترك أثرًا جسديًا وفكريًا. إنها مشاهد تُرى ثم تُستعاد في الذاكرة كحالات، لا كأحداث. إنها تؤكد أن السينما، في جوهرها، ليست فن الحكاية فحسب، بقدر ما هي فن النظر. وفي هذا النظر، يصبح الوجه مساحة لقاء بين الفيلم والمشاهد، بين الذات والآخر، وبين ما يُقال وما لا يمكن قوله.

سينما الوجوه: خرائط للمعنى

في سينما الوجوه لا يُعرَّف البطل بما يفعل، وإنما بما يُظهره وجهه حين يتوقف الفعل. ولا يُعتبر البطل هنا مركز الحكاية بقدر ما هو مركز الإدراك. وغالبًا ما يكون شخصية عادية، مهمشة، أو واقفة على حافة الانكسار، لأن هذا الموقع يسمح للوجه بأن يصبح ساحة للصراع الاجتماعي والنفسي. وفي هذا التيار، تُنزَع البطولة من الإنجاز الخارجي وتُمنَح للقدرة على الاحتمال، للعيش، وللنظر في الفراغ دون انهيار كامل.

ويتجلى هذا بوضوح في فيلم Close-Up / “لقطة مقرّبة” (1990) للمخرج عباس كيارستمي، حيث يتحول رجل عادي إلى بطل إشكالي عبر وجهه المرتبك. ويقول حسين سبزيان: “لم أرد أن أكون شخصًا آخر، أردت فقط أن أكون مرئيًا”، وتكفي هذه العبارة، مع نظرة خجولة إلى الكاميرا، لتكثيف علاقة السينما بالهوية والاعتراف الاجتماعي. البطل هنا هو من حُرم طويلًا من الحق في أن يُرى، فجاءت سينما الوجوه لتمنحه هذا الحق ولو مؤقتًا.

ولا يُعتبر المكان في سينما الوجوه خلفية محايدة، بل هو امتداد صامت للملامح. وغالبًا ما يكون مكانًا مغلقًا، فقير التفاصيل، أو متكررًا، كي لا ينافس الوجه على المعنى. وفي فيلم Faces / “وجوه” (1968) للمخرج الأمريكي جون كاسافيتس، تتحول الغرف، والممرات، والبيوت الأمريكية العادية إلى مساحات خانقة تعكس تآكل العلاقات، حيث تقول إحدى الشخصيات: “نحن نتكلم كثيرًا لأننا لا نعرف ماذا نشعر”، بينما الكاميرا تلاحق الوجوه المرتبكة في فضاءات ضيقة، فتُترجم المكان بوصفه ضغطًا نفسيًا لا يُرى.

ولا يُحتفى بالجسد في هذا النوع من السينما به كجمال أو قوة، وإنما يُعامل كأثر، كحامل للتعب والإرهاق والزمن. وهنا الوجه جزء من هذا الجسد، لكنه أكثر أجزائه هشاشة وكشفًا. وفي فيلم The Wrestler / “المصارع” (2008)، يصبح وجه راندي مرآة لجسد استُهلك حتى النهاية حينما يقول: “الجمهور لا يريد الحقيقة، يريد الذكرى”، والوجه المكدود، الملطخ بالعرق والندوب، يفضح المسافة بين صورة البطل في المخيلة الاجتماعية وحقيقته الجسدية. وهنا تطرح سينما الوجوه بُعدًا طبقيًا واضحًا: من يملك جسده؟ ومن يدفع ثمن عرضه المستمر؟

الوجه كتعبير أخلاقي

تتجسد الأبعاد الاجتماعية في سينما الوجوه في اختيار الوجوه ذاتها. إنها سينما تميل إلى المهمشين، إلى من لا تمنحهم السرديات الكبرى صوتًا أو مركزًا. وفي فيلم Son of Saul / “ابن شاول” (2015)، يلازم الفيلم وجه البطل في معسكر الإبادة، بينما يُقصى العالم الخارجي إلى الضباب، حين يقول شاول: “أحتاج أن أفعل هذا، وإلا فلن أبقى إنسانًا”، ويتحول الوجه، المحاصر بالرعب، إلى آخر معاقل الكرامة الإنسانية. وهنا لا يكون الوجه تعبيرًا نفسيًا فقط، بل هو موقف أخلاقي في مواجهة التاريخ.

ونفسيًا، تشتغل سينما الوجوه على ما هو غير محسوم، على التردد، والإنكار، والانكسار الصامت. إنها سينما الحالات، لا القرارات. وفي فيلم A Woman Under the Influence / “امرأة تحت التأثير” (1974)، يصبح وجه البطلة مساحة لانفجار داخلي لا يجد لغة مستقرة، مرددة: “أنا فقط أريد أن أكون طبيعية”، لكن الوجه، بحركاته غير المتوقعة، يفضح استحالة هذا “الطبيعي” داخل بنية اجتماعية خانقة. والإشكالية هنا أن السينما تقترب من الجنون دون أن تفسره أو تروّضه.

وعلى المستوى الرمزي، يحمل الوجه في هذا التيار أكثر من معنى في آن واحد. إنه فردي وجماعي، خاص وتاريخي. وفي فيلم Ordet / “الكلمة” (1955)، تتحول الوجوه إلى أيقونات إيمان وشك، حينما تقول إحدى الشخصيات: “الكلمة يمكن أن تُحيي”، ويصبح الوجه، في صمته وترقبه، مسرحًا لهذا الاحتمال الميتافيزيقي. والرمزية هنا لا تُفرض عبر الاستعارة المباشرة، وإنما تنبثق من الإصرار على النظر.

وفي مجملها، تعيد “سينما الوجوه” تعريف العلاقة بين البطل والمكان والجسد والمجتمع. إنها سينما لا تبحث عن الإجابات، بقدر ما تبحث عن المسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه. والوجه فيها ليس خاتمة للمعنى، وإنما بدايته. ومن خلال هذا القرب الجذري، تُذكّرنا بأن السينما، قبل أن تكون حكاية تُروى، هي تجربة إنسانية تُعاش بالنظر، وبالإنصات لما لا يُقال.

وفي خاتمتها، تنكشف سينما الوجوه كفن للإنصات إلى الإنسان، حيث يصبح الوجه نصًا بصريًا مكتوبًا بالتجاعيد والعيون والارتجافات الصغيرة. إنها سينما تُواجه قضايا الخوف والذنب والعزلة، والكرامة الجريحة. وتحوّل الملامح إلى اعتراف صامت عن زمن مأزوم. ونجد في سينما الأربعينيات، البطل والتر نيف يردد في فيلم Double Indemnity (1944) “لم أعد أسمع حتى وقع خطواتي”، وهي عبارة تختصر ضياع الذات حين يتحول الإنسان إلى ظل لنفسه، ويصير الوجه آخر ما تبقّى من الحقيقة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا