آخر الأخبار

مشهد الملك والشباب المتطوعين .. من كفاية المؤونة إلى صون الكرامة

شارك

حين تتكلّم الصّورة باسْم الكَرامة

أيُّ صورة هذه التي تُربكُ عاداتنا في النّظر إلى الأخبار؟ ولماذا نجحت لقطة واحدة أن تقول ما لم تقله دقائق من التّقرير؟ ولماذا اختار الملك محمد السادس أن يؤرّخ لحظة افتتاح عملية ” رمضان 1447″ مع الشّباب المتطوعين بدَل أن يُحيطها بوُجوه المسؤولين؟ ثم السّؤال الأصْدق: ماذا تُغيّر العملية في بيتٍ ينتظر رمضان بقَلقٍ… حين تصل إليه بلُغة احترام لا بلُغة “مُساعدة”؟

حين تتقدّم السّترات الموحّدة على البدلات

تتبّعتُ ضمن النّشرة المسائية تقريرًا حول انطلاقة عملية “رمضان 1447”: تُرتّب الأرقامُ الواقعَ، وتُثبت التواريخُ السياقَ، وتُحكم التصريحاتُ الإطارَ. غير أن المشهد لم يكتفِ بأن يقدّم معلومة، ذلك أنه دفعني إلى قراءة أعمق؛ إذ سرعان ما غادرتُ لغة الخبر إلى لغة الصورة، حيث تختصر لحظة واحدة ما تعجز عنه فقرات كاملة. عندما ظهر الملك محمد السادس وسط الشباب المتطوعين، لم أرَ مجرد حضور رسمي ضمن نشاط اجتماعي، رأيت معنى يتشكل أمامي بوضوح نادر.

لم تستوقفني إجراءات التنظيم، شدّتْني بساطة اللّحظة: تلتقي النظرة بلا تكلّف، وتُذيب الوقفة القريبة المسافة بدل أن تُثبّتها. في تلك الثواني فهمتُ أين يسكن الخبر الحقيقي: لا في إعلان الانطلاق، وإنما في هذا الالتقاء الهادئ بين رمزية الدولة وحيوية شبابها. هنا يتحول العمل الاجتماعي إلى صورة تُقيم في الوجدان، وتمنح التضامن قوة إضافية. فالكلمات تُقنع، أما المشهد الصادق فيبني ثقةً فوْرية؛ وحين يتجسّد التضامن في أعين الناس، يصير أصدق من كل خطاب، وأبلغ من كلّ تعليق. لم تشرح الصورة الأرقام ولم تتوسّل البلاغة، وضعت المرءَ في قلب المشهد وطلبتْ منّي أن أُعيد ترتيبَ أسئلتي: لماذا قدّم الملكُ الشباب المتطوعين على الوجوه الرّسمية؟ واصلتُ مشاهدة التقرير، وازْدَدْتُ يقيناً أن ما أسرني لم يكن مشهداً بروتوكولياً مع مسؤولين مصطفّين، وإنما تلك اللحظة التي اختار فيها الملك محمد السادس أن يقف “بين” الشباب المتطوعين، لا “أمامهم”. كان المشهد خالياً من صرامة المكاتب، ممتلئاً بعفوية الميْدان.

لم تكن هناك طاولات رسمية ولا ملفات، فقط وجوه شابة تحمل حماساً بسيطاً وواضحاً يشبه الرّضا. بدا الملك وكأنه لا يحيّي مبادرةً بعينها، وإنما يحيّي روحًا جماعيةً تتشكّل في صمتٍ وتترسّخ في الوعي. في تلك اللقطة أحسست أن المسافة بين القرار والعمل تتلاشى، وأن الدولة حين تثق في شبابها تمنحهم أكثر من وسام: تمنحهم معنى الانتماء. فما الذي يربحه المشهد حين يقف الملك وسط المتطوعين من الشباب؟ يربح حرارة لا تمنحها البدلات ولا تصنعها المقاعد المحجوزة. لأن رمضان لا يحتاج كثيرًا من “الإعلان”، يحتاج كثيرًا من “الطمأنة”. والطمأنة تأتي من بساطة القُرب: أن يلمح الناسُ وجوهًا شابّةً تُنجزُ المعنى فعلًا لا قولًا، وأن يلمحوا الملكَ يضعُ ختمَه الرمزيَّ على عملٍ أقربَ إلى البيتِ منه إلى المنصّة.

في خلفية كلّ عملية رمضانية، هناك لوجستيك وشاحنات وقوائم واستحقاق… لكن الصورة اختارت أن تُظهر ما لا يظهر عادة: لحظة اتّصال. كأنها تقول لنا: تبدأ اللحظة من نبرة السلام، ومن احترام العين للعين، هنا يصبحُ المتطوع أهمّ من المسؤول لا لأن المسؤول أقلّ قيمة، وإنما لأن المتطوع يحمل الجزء الذي لا تُمسكه الإدارة: حساسية الكَرامة.

لغة احترام تُطفئ قلق البُيوت

والأكثر إدهاشًا أن هذه اللقطة تُعيد تعريف الهيبة بهدوء؛ فالهيبة لا تعني أن يقف الجميع على مسافة ويتفرّجوا؛ الهيبة تعني أن تقترب من التفاصيل التي يتجنّبها الناس: ضيق آخر الشهر، ثِقل شراء الضروريات، وخوفُ أمٍّ من أن يكتشف طفلها أن “رمضان مُكلّف”. حين يقترب الملك من هذه الرمزية عبر الشباب، فهو يختار أن يؤرخ للحدث من ناحية الحياة اليومية لا من منظور الواجهة: يؤرخ له من جهة اليد التي تحملُ، لا من جهة اليد التي تُوقّع.

ولعل أجمل ما تقوله الصورة: حين تجعلُ المتطوعين في المقدمة، فهيَ لا تُجمِّل المشهد، إنها تُعلن معيارًا: ليست الكرامة تفصيلاً جانبيًا في العمل الخيري؛ الكرامة هي قلبه النابض. لذلك لا أستغرب أن تظل لقطة واحدة عالقة في الذاكرة أكثر من كل العناوين… لأنها تحمل فكرة بسيطة ومؤثرة: رمضان يختبرُ جيوب الناس، نعمْ، لكنه يختبرُ قلوبَنا أكثر.

من الإحسان إلى السّياسة الرحيمة

هكذا أدركت أن صورة الملك محمد السادس مع الشباب المتطوعين لم تكن توثيقاً لحدث، كانت اقتراحاً لفكرة؛ فكرة أن الوطن يُبنى حين يلتقي الرمز بالحلم. ليس التضامن موسماً عابراً، إنه ثقافة تُبنى جيلاً بعد جيل. لذلك، يختصر حضور الشباب المتطوع بجانب الملك فكرة عميقة مفادها أن الوطن حين يتكئ على شبابه لا يشيخ، وأن العمل الخيري حين يحظى برعاية عليا يتحوّل من إحسان إلى سياسة رحيمة. تتسع الصورة كلما تأملناها: يقف الملك بين شباب المتطوعين بوصفه جسراً بين الدولة والمجتمع، بين الرمز والواقع. في انحناءة رأسه نحو إحدى المتطوعات اعترافٌ ضمني بأن الإصغاء شكلٌ من أشكال الحكم، وأن الكلمة الصادقة قد تسبق القرار في صناعة الأثر.

في وجوه الشباب شيء من ضوءٍ داخلي؛ سِتراتُهم زيّ مُوحّد، وإعلان انتماء إلى فكرة واحدة: أن الكرامة تُصان حين يتكافل الناس، وأن الوطن يُبنى بالأيادي المتعاونة أكثر مما يُبنى بالشّعارات. هنا تبدو العملية الرمضانية كأنها استعارةٌ كبرى: سلّة تحمل في طيّاتها معنى العدالة الاجتماعية، وتقول إن السياسة حين تلامس الخبز والزيت والسكر تصبح أقرب إلى نبض الحياة. ولعل أجمل ما في المشهد تلك العفوية التي تُربك الرسميّة. لا تكلُّف في الابتسامات، ولا تصلّب في الملامح؛ فقط دفء إنساني يحوّل اللحظة إلى حكمةٍ مرئية: أن العمل التّطوعي حين يلتقي بالرؤية الوطنية يصبح ثقافةً؛ وأن الوطن، في نهاية الأمر، ليس حدوداً على خريطة، بقدر ما هو شبكة قلوبٍ مُتصلة، إذا نبض أحدُها بالجوع استجابَت له الأخرى بالعَطاء. ثمة صور تلتقطها العدسات لتُؤرِّخ، وأخرى تلتقطها لتُؤسِّس معنى. حين ظهر الملك محمد السادس بين الشباب المتطوعين، بدا الأمر وكأنه انحيازٌ واعٍ للصورة التي تُؤسِّس لا التي تُوثِّق. لم يكن المشهد ترتيباً للأدوار، كان ترتيباً للرموز: أن يتم وضع الضوء حيث ينبض الجُهد، حيث تتحرك الأكتاف تحت ثقل الصّناديق، وحيث تتقاطع الحَماسة مع الإيمان البسيط بأن الخير مُمْكن.

ما الذي تربحه الدولة حين تثق في شبابها؟

تقول صورة الملك مع الشباب إن اللحظة ليست مناسبةً إدارية، إنها تجربة جماعية. الشباب يحملون فكرة أن العطاء حين يمرّ عبر أياديهم يصبح أكثر قرباً من الناس، وأكثر قابلية للاستمرار. لذلك بدت اللقطة وكأنها إعلانُ ثقة: ثقة في طاقة الجيل، وفي قدرته على تحويل المبادرة إلى عادة، والحدث إلى فعل إنساني. في عمق هذا المشهد حكمةٌ هادئةٌ: أن المستقبل لا يتم استدعاؤه بالخطب، وإنما احتضانه بالاقتراب ممن يصنعونه. حين يعلن الملك افتتاح العملية الرمضانية 1447، فهو لا يضيف حدثًا إلى رزنامة أحداث يومية، ذلك أنه يضع ختمًا رمزيًا على أولوية أخلاقية: لا يليق أن يكون شهر الصيام موسم قلق عند الأُسَر الهشّة، ولا موسم حسابات موجعة حول “ما الذي سنستغني عنه هذه المرة؟”

يُقاس العمق الحقيقي بمدى دقّة اختيار المشهد المصاحب للحدث، بما يضيء معناه ويكثّف أثره؛ بدل أن يتصدر المسؤولون الصورة بوصفهم واجهة التنفيذ، يظهر المتطوعون الشباب عنوانا صريحا لمعنى العملية كَكُل. وهذا اختيار ذكي في إدارة الدلالة: لأن المسؤول يضمن النظام، لكن المتطوع يضمن الرّوح. هكذا، يغيّر حضور الشباب حرارة اللّحظة واللّقطة: تصبح الرسالة “نحن معكم” لا “هَا كُمْ ما قررناه لكُم”. كثير من أشكال الدعم تأتي متأخرة حين يكون الشخص قد استنفد بدائله وابتلَعَ خَجله. كأن الرسالة تقول: لن ننتظر حتى تُكسر النفس، سنستبق الكسْر، وهذا بالضبط ما يجعل عملية رمضان 1447 حين يقودها شباب متطوّع “قريبة من القلوب”: لأنها تفهم أن الكرامة جزء من الغذاء.

ليس الشباب في الصورة الرسمية تفصيلًا جماليًا؛ إنهم ضمانة الاستدامة. وحين يكون المتطوعون الشباب في قلب الحدث، يصبح رمضان ورشة تربية مدنية: تُعلّم التنظيم، وتعلّم أن العطاء ليس زينة اجتماعية بقدر ما هو مسؤولية يومية.

ليس المعنى الخفي في لحظة الافتتاح هو: ” لقد بدأنا التوزيع”، إنه بالأحرى ” لن نترك أحدًا يبدأ الشهر وهو يفاوض الخوف”. لأن الفقر لا يصرخ عادة؛ الفقر يهْمسُ. يهمسُ في قائمة مشتريات تُمْسح منها أشياء واحدة تلْوَ الأخرى، في قلب أمٍّ تقسم رغيفًا بحسابات دقيقة. ولذلك يبدو اختيار الملك أن يؤرّخ الحدث مع المتطوعين الشباب شديد الذكاء إنسانيًا: المسؤولون يشتغلون بالخرائط والميزانيات والسلاسل اللوجستية، وكلها ضرورية، لكن المتطوعين يشتغلون بشيء آخر: اللّمسة. اللمسة التي تحوّل الاستحقاق من رقم إلى اسم، ومن “مستفيد” إلى “جَارٍ”.

في شهر شديد الحساسية مثل رمضان، الطريقة أهم من الكمّية. قد تملأ البطن، لكن الابتسامة هي التي تمنع الكرامة من الانكماش. هنا يحدث انقلاب لطيف في الصورة: بدل أن يقف الشباب في الصف الخلفي ككومبارس، يصبحون “واجهة الحدث”؛ كأن الصورة رسالة تقول: البلد لا ينهضُ بالمكاتب وحدها… ينهضُ أيضًا بالأكتاف التي ترفع الصناديق، وبالعيون التي تنتبهُ لمن لا يطلب. ليست الحملة الرمضانية مساعدة للفقراء فقط… إنها أيضًا إنقاذ للأغنياء من قسوة اللاّمبالاة، لأن المجتمع حين ينسى الضعفاء يتصلّب، وحين يتذكّرهم يلينُ. تذكير عمليّ بأننا لا نعيش منفصلين: جوعُ بيتٍ واحد يمكن أن يُسرِّبَ بَرْدَهُ إلى المدينة كلّها. أجمل ما في هذه اللحظة أنها لا تتباهى بنفسه،. لا تحتاج خطبة طويلة، لأنها خطبة صامتة: “رمضان ليس امتحانًا للفقراء، إنه امتحان لنا جميعًا.” والملك حين يفتتح العملية الرمضانية وسط الشباب، يضع الإجابة في موضعها الصحيح: ليست في الكلمات، وإنما في الفعل. ليس في الصورة، وإنما في البيت الذي سيغلق بابه تلك الليلة وهو يشعر أن الشهر يمكن أن يبدأ بدون خوف.

من كفاية المؤونة إلى صون الكرامة

حين يضع الملك محمد السادس الشباب في واجهة المشهد، فهو يمنح الحملة قلبًا نابضًا لا مجرد إدارة، ويحوّل العملية الرمضانية 1447 إلى ثقافة تسبق العوز قبل أن يفضح صاحبه، وتقدّم الطمأنينة قبل أن تتراكم الأسئلة في آخر الشهر. هكذا يخرج الخبر من شاشة المساء ويصير درسًا بسيطًا: رمضان لا يكتمل بما نملكه وحدنا… بل بما نتقاسمه بكرامة.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا