تنبثقُ سينما المخرجة المغربية خولة أسباب بنعمر من ذلك الصمت العميق الذي يسبق الولادة، ومن ذلك الإصغاء الحار لما لا يُقال، كأنها لم تختر السينما مهنةً بقدر ما اختارتها قدرًا يتسلل إليها على مهل، يتراكم في داخلها كما يتراكم الضوء في عتمة قاعة العرض. ولا تتحدث خولة عن لحظة حاسمة أعلنت فيها انتماءها للصورة، ولكنها تراكمات صامتة جعلتها تدرك أن السينما ليست وسيلة للعيش فقط، وإنما طريقة لفهم العالم دون أن تُبَسِّطه، ولحماية الأسئلة من موتها المبكر. وفي هذا الإيمان الأول تتشكل ملامح رؤيتها، رؤية تعتبر الفن فعل بحث لا فعل يقين، ومساحة شك لا منصة خطابة.
ونتعرَّف في هذا الحوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية إلى فهمها للسينما بوصفها حكاية واكتشافًا للذات ومحاولة لتغيير زاوية النظر إلى المجتمع، لكنها تعود دائمًا إلى جوهر أكثر رهافة، إلى كونها فعل إصغاء. وهناك، في المسافة بين الكاميرا والوجه، بين الظل والملامح، تصنع خولة أسباب بنعمر، كما تُصرُّ على لغتها الخاصة، لغة لا تصرخ وإنما تهمس، ولا تفرض ولكنها تقترح. وحين تقف خلف الكاميرا، لا تمارس سلطة المخرج(ة) المتعالي، وإنما تنسحب خطوة كي تمنح الممثل حريته في المفاجأة، محتفظة ببوصلة الرؤية كي لا يتيه المعنى. ولا يعتبر التوازن لديها صراعًا بين إرادتين، بقدر ما هو شراكة تُصاغ في لحظة خلق مشتركة.
وتتعاملُ مع السيناريو كخريطة لا كوصية، تحترمه دون أن تقدسه، وتسمح للتصوير أن يكشف حياة لم تكن مكتوبة. وفي هذا الانفتاح السلس، ومن خلال تراكم معرفي ودرامي في التلفزة، تنتقل إلى السينما عبر فيلمين روائيين: “نور في الظلام” (2016) و”راضية” (2025)، ومشاركتها في العديد من المهرجانات الوطنية والدولية. تتجلى حساسية مخرجة تؤمن بأن الفيلم كائن حي، يتنفس خارج الورق. وتضع أعمالها داخل المشهد السينمائي المغربي باعتبارها نبرة ولمسة إضافية في نص جماعي ما زال يُكتب، لا قطيعة مع الماضي ولا ادعاء ريادة، وإنما حوار متواصل مع ذاكرة سينمائية تتشكل.
وتختار المخرجة اللون الأبيض والأسود، لا بدافع الحنين، وإنما رغبة في تجريد الصورة من زينتها والاقتراب من جوهرها، حيث تصبح الظلال لغة قائمة بذاتها، وحيث يتكثف المعنى في التباين الصافي بين النور والعتمة. وتنطلق من هويتها المغربية بوصفها نقطة بدء لا قيدًا، وتدرك أن الصدق مع المحلي هو الطريق الأقصر إلى الكوني. وتُعيد تشكيل الزمن في أفلامها كذاكرة متداخلة، لا كخط مستقيم، وتترك فراغًا صغيرًا في قلب الصورة والمتفرج، لأن المعنى عندها لا يُملى، ولكنه يُولد هناك، في المساحة التي يلتقي فيها صدق الفنان بحساسية المتفرج. فالسينما لديها مثل الحياة…
السينما بالنسبة لي ليست تعريفًا مغلقًا. هي في آنٍ واحد فن الحكاية، ومساحة لاكتشاف الذات، وأحيانًا محاولة خجولة لتغيير زاوية النظر إلى المجتمع. لكنها قبل كل شيء فعل إصغاء عميق لما لا يُقال.
أؤمن أن المخرج(ة) ليس من يفرض السيطرة، بل من يعرف متى يتراجع خطوة. أترك للممثل حريته كي يفاجئني، لكنني أحتفظ بالبوصلة. التوازن يتحقق حين تصبح الرؤية مشتركة لا مفروضة.
السيناريو بالنسبة لي خريطة، لا وصية. أحترمه، لكنني لا أقدّسه. أحيانًا يكشف التصوير عن حياة لم تكن مكتوبة، ومن واجبي أن أكون منفتحة على تلك الحياة.
أضع أعمالي داخل السينما المغربية بوصفها حوارًا لا قطيعة. لا أعتقد أنني أكتب سطرًا جديدًا بقدر ما أضيف نبرة مختلفة داخل نص جماعي ما زال يُكتب.
الأبيض والأسود ليس حنينًا بقدر ما هو تبسيط مقصود. هو محاولة لتجريد الصورة من الزينة، والاقتراب من الجوهر، حيث تصبح الظلال لغة بحد ذاتها.
كوني امرأة لم يكن برنامجًا فكريًا بقدر ما هو معطى وجودي. أثر في حساسيتي، في نظرتي للتفاصيل، وربما في طريقة استقبال الأعمال. لكنني لا أصنع أفلامًا “كامرأة”، بل كإنسانة واعية بموقعها وأسئلتها.
الهوية ليست قيدًا بالنسبة لي، بل نقطة انطلاق. كلما كنت صادقة مع محليّتي، اقتربتُ أكثر من الكوني. اللغة السينمائية الحقيقية لا تُترجم، بل تُحَسّ.
الزمن في أفلامي ليس خطيًا. هو ذاكرة، تداخل، وارتداد. الماضي لا أستحضره كنوستالجيا، بل كقوة ما زالت تؤثر في الحاضر وتُعيد تشكيله.
حلمي السينمائي بسيط ومعقّد في آن: أن أستمر في طرح الأسئلة دون خوف، وأن أصنع أفلامًا لا تُستهلك بسرعة، بل تُرافق المشاهد لفترة، حتى بعد انتهاء العرض.
أؤمن أن السينما، مثل الحياة، لا تحتاج دائمًا إلى تفسير. أحيانًا يكفي أن نكون صادقين، وأن نترك فراغًا صغيرًا… هناك يحدث المعنى.
المصدر:
هسبريس