آخر الأخبار

"حكايات الحريرة والشباكية" .. الذكريات التي تصنع الصبر والسكينة

شارك

أكان رمضانُ طُفولتِنَا مجرّد موعدٍ في التقويم… أمْ سِرًّا يطرقُ قلوبنا قبل الأبواب؟ كيف كنّا نعرف أنه اقترب، قبل أن يقول المذياع كلمته، وقبل أن يظهر ” الكمْرة” بغِيطَته على الشاشات؟ أهي رائحةُ “الحريرة” حين تتسلّل من مطبخ الأمّ وتستقرّ في الرّوح، أم ذلك الهدوء المفاجئ الذي يهبط على الأزقّة مثل وشاحٍ من خشوع؟ لماذا كان الجوع يومها يبدو خفيفًا، كأنه لعبة صبرٍ نتعلّمها ونحن نضحك؟ وكيف كان آذان المغرب قادرًا على أن يغيّر شكل البيت، فيجعل من المائدة وطنًا صغيرًا، ومن التَّمْرة نجمةً، ومن رشفة الماء وعدًا بالسّكينة؟

مَدرسة الصَّبْر السّرية

رمضانُ طفولتنا لم يكن يطرق الباب من جهة التقويم، كان يهبط علينا فجأةً مثل نسمةٍ سماويةٍ تعرف الطريق إلى البيوت قبل أن تعرفه الأخبار. يأتي مثل طائرٍ يمرّ فوق الأسطح ويترك وراءه أثرًا من رائحة “الحريرة” وهي تغلي، ووشوشة “الشّباكية” حين تُغمس في العسل. كنّا نستشعر حضوره قبل أن يُعلنه المذياع؛ تضيق الأزقّة بخشوعٍ لطيف، وتخفت الضوضاء كأنها تخجل من قدومه، وتصفو الوجوه كأن الغروب يغسلها بنورٍ دافئ. في البيت كانت التفاصيل تتبدّل دون أمرٍ أو إعلان: تميلُ الأمّ على القِدْر لتختبر الملح بجدّيةِ من يمسك ميزانًا للفرح، والأبُ يعود أبْكَر من المعتاد يحملُ تعب النهار لكن على ملامحه سكينةٌ جديدة، ونحن الأطفال نتعلّم عدّ الزمن بطريقةٍ مختلفة، لا بالساعات، وإنما بخفقاتِ مَعِدَةٍ صغيرة تُدرّبنا على الصّبر دون أن تشرح لنا مَعناه. لم نكن نصوم عن الطعام وحده، كُنّا نصوم عن الصّخب، وعن الخصام السّريع، وعن المبالغة في اللّعب… كأن الشهر يفتح مدرسةً سرّية لترويض القلب وتنعيم حدّته. وقبيل المغرب يصبح البيت كأنّه مسرحٌ هادئ ينتظر لحظة الافتتاح: الصحون مصطفّة بعناية، والكؤوس تلمع كأنها وعدٌ بالراحة، والروائح تتسلّل في الممرّات مثل دعاءٍ هادئ. ثم يأتي الآذان… نهايةَ جوعٍ وبدايةَ طمأنينة. في تلك اللّحظة يتصافح الجسد مع الرّوح: تمْرةٌ واحدة تستعيدُ فينا كلَّ النِّعَم، ورشْفةُ ماءٍ تُعيد ترتيب العَالم داخلنا. هناك فهمنا، ونحن صغار، أن الصبر ليس حرمانًا قاسيًا، إنه قدرةٌ جميلة على إمْسَاك النَّفس بيدٍ رفيقة، والسَّيْر بها نحوَ ما هو أصْفى وأخفّ وأقرب إلى الرَّحمة.

مائدةٌ من نُور

كان رمضانُ يلقّننا درسًا نادرًا: أن الفرح لا يُقاس بعُلوّ الأصوات ولا بزحمة الضّحك، وإنما بصفاء اللّحظة حين تتآلفُ القُلوب حول مائدةٍ واحدة. يكفي أن تلتقي الأيدي على الخبز والدعاء، وأن يهدأ الكلام قليلًا، حتى ترتفع المعاني في الداخل وتزدهر. في حضرته تستعيد التفاصيلُ البسيطة وَقارها: نفتح التّمرة كما نفتح بِشارة، ونرفع كأس الماء بامتنانٍ واضح، وتغدو نظرةٌ سريعة بين أفراد الأسرة كلامًا من غير حروف.

في طفولتنا الهاربة، كان آذانُ المغرب حدثًا بحجْم الكوْن؛ ما إن يرتفع الصّوت من بعيد حتى يتبدّل الهواء نفسُه؛ يتشظّى الضّوء على زجاج النوافذ كأنه ينفض عن النهار غباره الأخير، ويغدو البيتُ سفينةً مُطمئنَّة رست على مائدةٍ من نُور.

كانت رائحةُ “الحريرة” تبدأ همسًا، مثل سرٍّ تتناقله الجُدران. في ظهيرةٍ رمضانيةٍ بعيدة، كانت أمي تُخرج القِدر الكبير كأنها تتهيّأ لطقسٍ مقدّس؛ يلمع النحاس تحت ضوءٍ خافت، ويعلو صوت تقطيع “القزبر والمعدنوس” مثل إيقاعٍ أوليٍّ لموسيقى المساء. حين يلتقي البصل بزيتٍ ساخن، ينتشر عبيرٌ يشبه وعدًا تأخّر في المجيء، ثم تتسلّل رائحةُ الطّماطم والتّوابل فتملأُ البيت بطمأنينةٍ دافئة. كنّا نقتربُ من المطبخ مُتظاهرين بالعطش، لا لنشرب، وإنما لنستنشق ذلك البُخار الكثيف الذي يحمل في طيّاته حكايات الجَدّات، ويقول لنا: “سيأتي الغروب، فاصبروا قليلًا”. أما “المخَرْقَة” فكانت شمسًا صغيرة مغموسة في العسل، نراها على الطاولة مثل تيجانٍ ذهبية، تتلألأ بحبّات “الزنجلان”، فتغدو أشبه بقطعٍ من زينة عيد سيأتي بعد ثلاثين يوما. كنّا ننتظر لحظة التذوّق كما ينتظر المرء فتحُ صندوق كنز؛ تنكسر القشرة برفق، ويتدفّق العسل ببطءٍ لزجٍ؛ و”الزَّمِّيتَة”، ذلك المسحوق البُنيّ الممزوج بحكايا الفلاحة والحقول، كانت تُقدَّم في صحنٍ بسيط لكنها تختزن قوة الأرض، مِلعقة واحدةٌ منها تكفي لتجعلنا نشعر بأننا أكبر من أعمارنا، كأننا نشارك الكبار سرّ الصَّبر والجلَد. كانت المائدة بسيطة، لكنها مَهيبة: كأسُ حليبٍ، تمرةٌ لامعة مثل نجمةٍ قريبة، وقطعةُ خبزٍ تُغمَس في حساء الأم فتعود إلينا دافئةً ومحمّلةً بكل المعاني. تلك التفاصيل، على صِغَرها، كانت تمتلكُ جلالَ الأعياد الكبرى؛ لأن فيها يدًا تُعطي، وقلبًا يشكر، وعيْنًا تلمع دون أن تعرف لماذا تلمع.

بعد الإفطار، كنّا نخرج إلى الشّارع بملابس نظيفة تفوحُ منها رائحة الصّابون، كأنّنا نستأنفُ الحياة من بابها الجَميل. نركضُ بين العائدين من التّراويح، نتسلّلُ بين الصّفوف والضّحكات الخافتة، نلتقط من الوجوه ضوءًا إضافيًا، ونحمل في صدورنا فرحًا يشبه النَّسيم: لا يُرى، لكنه يملأُ المكان.

البطلُ الذي يمرّ تحت المصباح الأصْفر

كانت ليالي رمضان أطولُ من أعمارنا الصغيرة، تتّسع لنا ولأحلامنا ولركضنا الذي لا يتعب. وكانت النجوم أقرب، كأن السماء تنحني قليلًا لتسمع دعاء طفلٍ يطلب لُعْبةً، أو يهمسُ بمغفرةٍ لا يعرفُ ذَنْبها، لكنه يعرف طعْم الطمأنينة حين تقول الجماعة: “آمين”. وفي تلك المسافات بين آذانٍ وصلاةٍ ونهايةِ سَهرةٍ رمضانية، كنّا نتعلّم دون درْسٍ مُباشر أن الكَوْن يُمكن أن يصير أكثر رحمةً… بمجرد أن يهدَأ الصّوت في الخارج، ويعلُو المعنى في الداخل.

وفي عُمقِ الليل، حين يهدأ الحيّ وتَبرد الأزقّة، كانَ الطَبّال يعبرُ. يأتي صوته من بعيد، دقّات منتظمة كأنها نبضٌ هائل يوقظ المدينة بِرفْق. كنّا ننهضُ على تردّدٍ بين النّوم والصّحو، ونتسلّل إلى النافذة لنلمح ظلَّه ينزلق تحت مصباحٍ أصفر شاحب. في مخيّلتنا كان بطلاً غامضًا؛ يحمل طبْلَه، يمرّ على البيوت بيتًا بيتًا، كأنه يحرس صيامنا من الغفلة ويشدّ انتباهنا إلى وقتٍ لا يراه النّهار. وكان السّحور، في تلك اللحظات، وجبةً من هَمْسٍ: خبزٌ وزيتُ زيتون، بيضةٌ مسلوقة، كوبُ شايٍ دافئ… وأعينٌ نصفُ مُغمضة، لكنها ممتلئة بفرحٍ خَفيّ. ثمّ ما إن تخفت دقّات الطّبل وتبتعدُ في آخر الزقاق حتى يعود الصمت إلى مكانه، ونشعر أنّ اللّيل أغلق علينا بابًا من الطمأنينة. نطفئ الأنوار بخفّة، ونعود إلى الأسِرّة وكأننا نُخبّئ في صدورنا سرًّا صغيرًا: أنّ المدينة، رغم نومها، تستيقظ معنا للحظةٍ قصيرة، وأنّ ذلك الإيقاع البعيد كان يربطنا ببعضنا من غير موعدٍ ولا كلام.

كان رمضانُ الطفولة مسرحًا حميميًا تتجاور فيه الروائحُ والأصواتُ والظلال. نُرسل للجيران من أطباقنا، ويُرسلون إلينا من دعواتهم، فتغدو المودّة عادةً يوميّة لا تحتاج إلى تفسير. وتتحوّل الأزقّة إلى عائلةٍ كبيرة؛ نتبادل الأحاديث على عتبات البيوت، ونترقّب هلال رمضان وبعدهُ هلال العيد كأننا ننتظر خبرًا يخصّنا جميعًا. وعند أوّل تكبيرةٍ في العيد نعرف أنّ تلك الأُسْرة اتّسَعت أكثر، وأنّ الفرح وجد طريقه إلى كلّ باب.

كبرنا… وما زال النُّور يُنادينا بالاسم

واليوم، حين نستعيد تلك التفاصيل، لا نبحث عن طبقٍ بعينه بقدر ما نبحث عن ذلك الإحساس الأوّل: أن العالم يمكن أن يُعاد ترتيبه ثلاثين ليلة في السّنة، وأن الزّمن يصبح ألْيَنَ وأقربَ إلى القَلب. كانت رائحةُ “الحريرة” وحدها تكفي لتعلّمكَ معنى البَيت، ومعنى أن تكبر… من غير أن تنطفئَ فيك دهشتُكَ الأولى. ثمّ إنّ ما كان يبقى في الذاكرة ليس الشّبع، إنه الإحساسُ الذي يملأ ما بين المائدة والقُلوب: صوتُ الأكواب، وقعُ الخطوات المسرعة قبل الآذان، ضحكةٌ عابرة من نافذةٍ قريبة، ودعاءٌ يُقال على عجلٍ ورغم ذلك يستقر طويلا في القلب والذاكرة. لذلك يبدو رمضانُ الطفولة، كلّما ابتعدنا عنه، أقربَ إلى مرآةٍ نرى فيها أنفسنا على حقيقتنا: أبسط، أصْفى، وأكثر استعدادًا لأن نصدّق أنّ الخير مُمْكن… وأن الدَّهشة يمكن أن تظلّ حيّة.

لم يكن رمضان شهرًا فقط، كان زمنًا مُوازيًا، تعلّمنا فيه أن الجوع يمكن أن يكون شفافًا، وأن الانتظار نوعٌ من العبادة، وأن الفرح يولد من أبسط الأشياء. واليوم، حين أستعيد تلك الطفولة، لا أبحث عن الطعم ذاته ولا عن الأزقة نفسها، وإنما عن ذلك الصفاء الأول، عن الدهشة التي كانت تجعل من كل غروبٍ مُعجزةً صغيرة. كأن رمضان ما زال هناك، في مكانٍ ما من الذاكرة، يلوّح بيدٍ من نُور ويقول: “عدتم كبارًا… لكن قُلوبكم تعرفُ الطّريق”.

ويمضي الشهرُ مثل يدٍ حانية تُربّت على الأوقات المتعبة، تُهذّب العَجَلة. سيرحلُ رمضان كما جاء: خفيفًا كريمًا… سيترك في القلب شرفةً مفتوحة للسّكينة، ويمنحنا مساحةً أوْسع للتسامح؛ وما أن تعود رائحةُ “الحريرة” إلى الهَواء بعد رمضان حتى نعرف، من غير دليلٍ ولا إعلان، أنّ السماء مرّت من هنا مَرّةً أخرى.

سَماءٌ لا تنْسَى أسْمَاءَنَا

فماذا بقي من رمضانِ طفولتنا بعدما كبرنا وتبدّلت الملامح وتزاحمت الأيام؟ بقي ذلك الضوء الذي يلمع عند أول آذان، وبقيت روائحُ البُيوت وهي تُخبرنا أن الزّمن يُمكن أن يكون طيّبًا. بقيت الأصوات التي تهدأ لتسمَع المعاني، والقلوب التي تلتقي فتبدو الحياة أقل قسْوة. أقْبَلَ رمضان وسيرحلُ كما يرحلُ ضيفٌ كريم، لكنّه سيترك أثره حيث لا يصلُ الغبار: في ذاكرةٍ إذا مرّت بها رائحة “الحريرة” أو ترتيلُ التَّراويح تحسُّ فورًا أن السماء ما زالت تعرف الطريق إلينا.

لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا