احتضنت مدينة آسا المغربية حدثا علميا وثقافيا بارزا يومي 14 و15 فبراير 2026 من تنظيم مركز الدراسات والأبحاث “مشاريع” ، وهو المنتدى الدولي الثالث حول العمران المائي بالمغرب الصحراوي، والذي اختار لنسخته هذه موضوعاً جوهرياً هو” الجمل والتراث الثقافي للرحل”. ينظم هذا المنتدى بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الثقافة، بالإضافة إلى المجلس الإقليمي لآسا الزاك. ويعكس هذا الاختيار الوعي العميق بالارتباط الوثيق بين “سفينة الصحراء” وبين النمط العمراني والاجتماعي للإنسان الصحراوي.
الجمل كرمز للمكانة الاجتماعية والاقتصادية
لا يُعد الجمل في الثقافة الصحراوية مجرد وسيلة نقل، بل رفيق الرحلة في البحث عن العشب والماء وهو ما يركز عليه المنتدى من خلال الربط بين العمران المائي وحياة الرحل و هو أيضا معيار للغنى والجاه حيث كانت تُقاس ثروة القبائل والأفراد بعدد رؤوس الإبل التي يمتلكونها كما يعد رمزا من رموز الوجاهة و امتلاك “الذود يمنح صاحبه مكانة مرموقة في المجالس حيث يُنظر إليه كشخص ذي حكمة وقدرة على العطاء والكرم . كما أنه يُشكل ركيزة أساسية في طقوس الفرح بالصحراء المغربية: فغالباً ما يتكون مهر العروس في العائلات العريقة من عدد معين من النوق المختارة و يتم تزيين الجمل بـ “الهودج” لنقل العروس من خيمة أهلها إلى خيمة زوجها في موكب احتفالي مهيب يُعرف بـ “المالحة”، مما يضفي صبغة من النبل والوقار على العرس و لا يكتمل الفرح الكبير إلا بنحر “جزور” (جمل)، حيث يعتبر تقديم لحم الإبل للضيوف قمة الجود والكرم. و لا يقتصر حضور الجمل فقط بالأفراح بل هو حاضر في الأتراح كذلك.
لقد اعتبر المتدخلون في هذا المنتدى أن الجمل في الحقيقة ليس مجرد وسيلة عيش، بل هو “ملهم الصحراء” وعمودها الفقري في الإبداع الأدبي والفني. إن شعار المنتدى “الجمل والتراث الثقافي للرحل”، يتضمن بالضرورة هذه الجوانب الجمالية التي تشكل جوهر هوية الإنسان الصحراوي حيث تناولت المداخلات حضور رمزية الجمل في الشعر فالجمل يعتبر الموضوع الأكثر حضوراً في **الشعر الحساني** (لغن)، حيث لا يكاد يخلو غرض شعري من ذكره من خلال :
الوصف والتغني: يتفنن الشعراء في وصف “الناقة” بصفات الجمال والقوة والصبر، معتبرين إياها رفيقة الدرب الوفية.
الرمزية: يُستخدم الجمل في الشعر كرمز للشموخ والأنفة، وأحياناً كرسول يحمل السلام والتحيات بين الأحبة عبر الفيافي.
الجمل في الفنون التشكيلية والبصرية
يظهر الجمل كأيقونة فنية تتجاوز الواقع إلى الرمز من خلال:
الصناعة التقليدية كفن: يعتبر تزيين “الراحلة” (سرج الجمل) وصناعة الجلود المرتبطة به نوعاً من الفنون التطبيقية التي تبرز ذوق الإنسان الصحراوي الرفيع، وهو جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي الذي يسعى المنتدى لإبرازه.
الرقصات الشعبية: هناك رقصات إيقاعية (مثل رقصة الكدرة) تحاكي في بعض حركاتها مشية الجمل أو حركات عنقه، مما يجسد الحلول الفني للكائن في جسد الراقص.
الجمل كعنصر في “العمران الثقافي”
بما أن المنتدى يتحدث عن “العمران المائي بالمغرب الصحراوي”، فإن الفن هنا يتجلى في كيفية تطويع الإنسان للبيئة الجمل هو من رسم “الفن المعماري” المتنقل (الخيمة)، وهو من حدد مسارات القوافل التي أصبحت فيما بعد طرقاً تجارية وثقافية تتبادل فيها الفنون والأشعار. تتجلى فرادة المغرب الصحراوي في كونه لا ينظر إلى الجمل ككائن بيولوجي أو وسيلة نقل فحسب، بل يدمجه ضمن منظومة حضارية متكاملة تُسمى “العمران المائي”، وهو مفهوم يربط بين ندرة المياه، وحياة الترحال، والاستقرار النسبي حول نقاط الماء فبينما تركز العديد من الدول (كبدوان الجزيرة العربية) على الجمل في سياقات السباقات أو الأدب البدوي الخالص، يطرح المغرب الصحراوي في المنتدى الدولي بمدينة آسا موضوع “العمران المائي” كإطار علمي لفهم كيف ساهم الجمل والتراث الثقافي للرحل في تشكيل نمط عمراني واجتماعي خاص بالمجالات الجافة. هذا الربط بين “الجمل” و”العمران” هو تخصص دقيق يعكس عبقرية الإنسان الصحراوي المغربي في إدارة الموارد المائية المحدودة. ومن نقاط الاختلاف الجوهرية هو الربط بين تراث الإبل والذاكرة الوطنية؛ فانعقاد المنتدى في “فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بآسا” يضفي صبغة سياسية وتاريخية فريدة فالجمل في المغرب ليس مجرد “سفينة صحراء”، بل هو رفيق “المقاوم” في رحلة التحرير الوطني، وهو بعد قد لا تجده بنفس الزخم في دول أخرى لم ترتبط فيها ثقافة الإبل بحركات تحرر وطنية بنفس السياق التاريخي.
إن المكانة التي حضي بها الجمل لدى الانسان الصحراوي تنعكس من خلال حضوره في كل الجوانب الحياتية من مكانة اجتماعية وذوق فني. في الفرح والحزن وفي السلم والحرب و في الوفرة و القحط مما يضعنا أمام تحديات كبرى تحافظ على هذه الأصالة و تعتبر التنمية بالمغرب الصحراوي جزء لا يتجزأ من ضرورة الاهتمام بالجمل و اعتباره رأسمال مادي و غير مادي و هو ما أكدته توصيات المنتدى الدولي الثالث” العمران المائي بالمغرب الصحراوي. الجمل و التراث الثقافي للرحل ” التي دعت إلى الحفاظ عن الفرادة في علاقة بالجمل عند سكان المغرب الصحراوي و التي بدأت تغزوها ثقافات لا تتناسب و الهوية التاريخية للمغرب الصحراوي. كما أكدت التوصيات على ضرورة الاهتمام بالجمل من خلال برامج حكومية تروم الحفاظ على القطيع الابل و تزيد من الميزانية المخصصة للإبل و تنفتح على مربي هذا النوع من خلال التوعية والتأطير.
المصدر:
العمق