رحيل ليلى شهيد ليس خبرًا عابرًا في سيرة فلسطين، إنه لحظة صمتٍ كبيرة تترك فراغًا يشبه البلاد حين تفقد أحد وجوهها التي كانت تُحسن الكلام باسمها بحِكمة ونَباهة. كانت ليلى شهيد من ذلك الطراز النادر: حضورٌ دبلوماسيٌّ بصلابة المناضل وأناقة المثقّف. لم تكن تمثّل قضيةً على الورق، كانت تُجسّدها في التفاصيل اليومية: في اللغة التي تختارها، في الهدوء الذي لا يتنازل، وفي القدرة على تحويل الألم إلى خطابٍ مفهومٍ للعالم.
كانت تعرف أن فلسطين لا تحتاج فقط من يصرخ باسمها، وإنما من يبني لها مساحة احترام داخل غرف القرار. وبرحيلها، تخفت نبرةٌ كانت تُمسك بالحق من دون أن تُجرّحه، وتدافع عنه من دون أن تُشوّهه. هي التي جعلت من الدبلوماسية أداة مقاومة ذكية: مقاومة تُراكم وتُقنع وتُحرج، من غير أن تتوسّل ولا أن تتجمّل.
أما اقترانُ اسمِها باسمِ أديبنا وأستاذنا محمد برادة، فليس تفصيلاً عابراً من سيرتها الشخصية، إنه علامةٌ على بيتٍ كانت فيه الثقافةُ امتداداً للنضال، وكان الحبُّ فيه شكلاً راقياً من أشكال الثبات. لذلك، حين يلتقي الأدبُ بفلسطين في حياةٍ واحدة، يغدو الرحيلُ إغلاقاً لفصلٍ مُضيء… غير أن أثره يظلّ حاضراً في الذاكرة، وفي اللغة.
يكفي أن نتأمل كيف تنقل سيرةٌ كهذه الخبرَ إلى شهادة: شهادةُ امرأةٍ لم تُساوم على إنسانيتها، ولم تجعل القضية شعاراً، بقدر ما جعلتها معياراً يومياً للكرامة والاختيار. لذلك لا يُقاس الغيابُ هنا بفراغ المكان، وإنما بما يتركه من يقظةٍ داخل الكلمات؛ حضورٌ يذكّر بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن الحبّ حين يتكئ على وعيٍ عميق، يصير وطناً صغيراً لا تهزمه المسافات ولا يطفئه الزمن.
رحلتْ ليلى شهيد، لكن ما تركته لا يرحل ولا يغيبُ: هيْبَة امرأةٍ جعلت من الانتماء مشروعًا، ومن الكرامة سياسة، ومن فلسطين اسمًا لا يُنسى. سارت في العواصم بوضوحٍ لا يلين، ووضعت القضية الفلسطينية في قلب اللّغة العامة، ثم أعادتها إلى أصلها الإنساني: حقٌّ يوميّ، وعدالةٌ لا تقبل التأجيل. كانت تعرف أن الدبلوماسية امتحانٌ للنبرة قبل الموقف، فاختارت نبرةً ترفع فلسطين من هامش الأخبار إلى مركز الضمير، ومن ضجيج اللحظة إلى أفق التاريخ. لذلك يظل حضورها قائمًا في أثرٍ يعلّم الأجيال درسًا واحدًا: نُنجِزُ الوطنَ فكرةً، ونَصونُ الحريةَ عهدًا، ونحرسُ الذاكرةَ يقظةً لا تَخْبو.
قدّمت ليلى شهيد تعريفًا صارمًا للنضال: عملٌ ينحاز إلى الحقيقة حين يرفض العالم سماعها، وعملٌ يحرس اللغة حين تتحول إلى ساحة مصادرة. لم تتكئ على التعاطف، ولم تكتفِ بتثبيت الموقف داخل جماعةٍ تؤمن به سلفًا؛ تقدّمت نحو المنطقة الرمادية التي تصنعها القوة حين تعيد تسمية الجريمة لتبدو “خلافًا”، وحين تدفع الضحية إلى موقع “طرف” داخل معادلةٍ تساوي بين ما هو غير قابل للمساواة. واجهت هذا التزييف بقرارٍ فكري واضح: تُسمّي الأشياء بأسمائها، ثم تُقاتل دفاعًا عن هذه الأسماء داخل فضاءاتٍ تخشى الوضوح وتراهن على المواربة. وعبر هذا الخيار، بنت أخلاقياتٍ للخطاب لا تقبل المساومة: تُسقط الأقنعة عن الكلمات قبل أن تُسقطها عن الوقائع، وتقطع الطريق على “الحياد” حين يتحول إلى غطاءٍ للانحياز، وعلى “التوازن” حين يصير تقنيةً لتبييض العُنف. كانت تعرف أن المعركة تبدأ من المفردة: من يملك الاسم يوجّه النظر، ومن يوجّه النظر يكتب الحُكْم. لذلك اشتغلت على تفكيك القاموس المعلّب الذي يُدار به الصراع، ثم أعادت ترتيب المعاني في مواجهة ماكينةٍ تصنع الضباب وتبيعُه للناس حقيقةً جاهزة. وبهذه الصّرامة، منحت فلسطين مكانها الطبيعي في العقل العام: قضيةُ عدالةٍ لا مسألةُ رأي.
ومن هذه الهندسة خرجت ليلى شهيد بقاعدة عملٍ لا تقبلُ المهادنة: تُحوِّل المبدأ إلى ملفّ، والملفّ إلى موقف، والموقف إلى التزامٍ. لم تُراكم الشعارات في خطابها عن القضية؛ راكمت نقاط ارتكاز داخل المؤسسات، وفتحت ثغراتٍ في جدار الإجماع المزيّف، ودفعت أسئلةً محرِجة إلى طاولةٍ مفاوضات اعتادت الأسئلة المؤدّبة. كانت تُدرك أن ميزان القوة لا يتبدّل بالصوت المرتفع، وإنما بإعادة توزيع الحَرج: تضعه حيث يجب أن يكون، في مكان القرار لا في مكان الضحية، في قلب الفاعل لا على هامش المتألم. لذلك جعلت من كل نقاشٍ حول القضية الفلسطينية فرصةً لإعادة تعريف “الواقعية”: واقعيةٌ تعترف بالوقائع ولا تبرّرها، وتسمّي الاحتلال احتلالًا، وتسمّي الحصار حصارًا، وتُلزم العالم بأن يدفع ثمن كلماته حين يصمت عن أفعاله.
تميّز نضالها لنصرة القضية بنقطة مركزية: ضبطُ الدلالة يسبق ضبطَ الصورة. كثيرون يربحون لحظةَ تعاطف، ثم يفقدون بعدها الدلالة وما يتلوها من مواقف، فتغدو القضية مادةَ رأي، ثم تصبح قابلةً للتبديل. ليلى شهيد ركّزت على دلالةٍ لا تقبل الاستبدال: احتلال، استيطان، حصار، اقتلاع، حرمانٌ من السيادة. اختارت مفرداتٍ تُحمِّل المسؤولية وتقطع الطريق على التسوية اللغوية التي تُسقط الفروق بين عنفٍ منظّم وعنفِ ردّ فعل. وبهذا الانضباط، رفعت سقف النقاش، ثم دفعت محاوريها إلى دخول الملعب الذي تختاره الفكرة، لا الذي يختاره المزاج الإعلامي. لذلك رفضت تفكيك القضية إلى “سَرْديتين” متقابلتين، ورفضت تحويلها إلى “نزاع” لا أصل له؛ أعادت كل سؤال إلى جذره القانوني والسياسي: من يحتل؟ من يشرّع الاستيطان؟ من يفرض الحصار؟ من ينتفع من تأجيل العدالة؟ بهذا الانضباط، أمسكت بخيط الكلام وربطته بالمسؤولية: دفعت الانفعال خطوةً إلى الخلف وقدّمت الحُجّة خطوةً إلى الأمام، ثم وزنت كل رأيٍ بما يخلّفه من أثر.
في عمق تجربتها النضالية، تظهر علاقة دقيقة بين المقاومة والانضباط. رفضت الانزلاق إلى خطاب يبيع العدالة مقابل التصفيق؛ رفضت تحويل النضال إلى استعراض أخلاقي. حافظت على معيار أخلاقي لا يتسامح مع الكراهية ولا يتسامح مع العنصرية ولا يساوم على الحق. هذا المعيار لم يأتِ من رغبة في تحسين صورة القضية الفلسطينية، وإنما أتى من فهم طبيعة الصراع داخل أوروبا حين تنقلت بين عواصمها سفيرة وحَكيمة: أيّ تلوث لغوي يمنح خصوم القضية ذريعة جاهزة ويحوّل الحوار إلى محاكمة للضحية بدل محاكمة الجريمة. لذلك حمَتْ خطابها من الفخاخ، ثم حمت القضية من الانتحار البلاغي الذي يريحُ الخَصم.
عندما نتأمل سيرتها النضالية برصيدها الديبلوماسي الخصب، نجد أن “التمثيل الدبلوماسي” الذي آمنت به كان فعل فكر لا وظيفة بروتوكولية. تتطلب الديبلوماسية معرفة عميقة بعقل الآخر وبآلياته الدفاعية. كانت ليلى شهيد تعرف جيدا أن الإعلام الأوروبي يختصر الواقع ويعيد تشكيله في قوالب سهلة الاستهلاك، وأن المؤسسات الأوروبية تتعامل مع الملفات عبر مصالح وتوازنات وتفويضات. فهمت ليلى شهيد هذه البنية، وقاومتها من الداخل. لم تصرخ من خارج الجدار، فتحت شقوقًا في الجدار عبر اللغة القانونية والضغط المدني وتراكم العلاقات.
من يحمل مأساة مستمرة يحتاج قدرة عالية على ضبط النفس. النضال هنا لا ينهك الجسد فقط، ينهك الوعي أيضا … وأساسا. يتطلب أن تعيش الحقيقة يوميًا، ثم تعيد تقديمها في صياغة مقبولة لمن يتوجس من الحقيقة نفسها. يصنع هذا التوتر استنزافًا صامتًا. عاشت ليلى شهيد هذا الاستنزاف، ومع ذلك صانت قدرتها على الإقناع من دون أن تتنازل عن دقّة اللغة، وصانت قدرتها على المواجهة من دون أن تهدم الجسر الذي تعبر عليه الحجّة. واجهت بصلابةٍ محسوبة، وأصغت بوعيٍ يقظ، ثم صاغت ردّها ببرهانٍ يضيّق مساحة المراوغة ويترك للخصم خيارين لا ثالث لهما: الاعتراف أو الانكشاف… كان ذلك قبل أن يحاصر المرض جسدها ويطفئ شيئًا من قوّته.
لهذا كله يظل إرث ليلى شهيد أعمق من كلّ الألقاب؛ فقد تركت درسًا بليغا في المقاومة العقلانية: بناء خطاب يرفع الكلفة الأخلاقية والسياسية على من يبرر الاحتلال، وبناء شبكة تأثير لا تعتمد على الانفعال، وحماية الحق من الكراهية والقضية من تحويلها إلى قصة حزينة قابلة للنسيان. ما من شكّ أن هذا الإرث يضع معيارًا جديدًا لكل مناضل دبلوماسي:
عقلٌ يعرف كيف يقاتل داخل الجملة، وإرادةٌ تعرف كيف تصمد داخل المؤسسة، وضميرٌ يعرف كيف يظل نظيفًا تحت ضغط الواقع.
رحمها الله، وتبقى ذكراها مثل ظلٍّ يقظ… لا يحجبُ النّور، وإنما يحرُسه.
المصدر:
هسبريس