آخر الأخبار

الفيلم البريطاني "ملكة عند البحر" .. صلابة الحب في مواجهة هشاشة الخرف

شارك

لا يكتفي الفيلم البريطاني “ملكة عند البحر” بجذب الانتباه، بل يهزّ يقين المتفرج منذ مشاهده الأولى، دافعًا به إلى مواجهة أسئلة يتفادى المجتمع الحديث طرحها بصراحة: ماذا يبقى من الحب حين يذبل الوعي؟ ما حدود الجسد حين تتآكل الإرادة؟ وأين تنتهي مسؤولية العائلة لتبدأ سلطة المؤسسة؟.

العمل يقارب قضية الخرف لا بوصفها مرضًا عضويًا فحسب، بل بوصفها امتحانًا أخلاقيًا للمحيطين بالمريض، إنه يضعنا أمام مفارقة شديدة الحساسية: في مجتمعات غربية تعيد تعريف مفهوم الأسرة هل تبقى دار الرعاية خيارًا اضطراريًا أم تتحول إلى بديل عاطفي عن البيت؟ وهل تستطيع العائلة، بصيغتها النووية الحديثة، أن تحتمل هشاشة الشيخوخة الطويلة؟.

أخلاقيات المنطقة الرمادية

يفتتح الفيلم بمشهد مباغت: أماندا (جولييت بينوش) تفاجئ والدتها ليزلي (آنا كالدر-مارشال)، المصابة بخرف متقدم، في لحظة حميمة مع زوجها مارتن (توم كورتني). غير أن الصدمة لا تكمن في الفعل ذاته، بل في معناه: هل يمكن لامرأة تلاشى وعيها أن تمنح موافقة واعية؟ الطبيب يشكك، والابنة تنحاز إلى منطقه؛ أما الزوج فيتمسك بفكرة مغايرة: أن الجسد يحتفظ بذاكرة أعمق من العقل، وأن القرب الجسدي قد يكون آخر جسور الطمأنينة. من هنا يتبلور الصراع المركزي: ليس بين ظالم وضحية، بل بين تصورين للحب. أماندا تمثل الحساسية الأخلاقية المعاصرة، المتشددة في شأن “الموافقة”، بينما يجسد مارتن إخلاصًا تقليديًا طويل الأمد، يرى في العلاقة استمرارًا لعهد زواج لم تمحه السنوات ولا المرض. وبين الموقفين مساحة رمادية كثيفة، يرفض الفيلم اختزالها في حكم جاهز.

البيروقراطية كقدر بارد

اندفاع أماندا لإبلاغ الشرطة ليس انتقامًا، بل فعل عجز. غير أن الشكوى تفتح الباب أمام منظومة إجرائية صارمة: اعتقال، تحقيق، فحوصات طبية مهينة لامرأة لا تدرك ما يجري حولها. هنا يتخذ الفيلم منحى أعمق، متسائلًا: ماذا يحدث حين تنتقل وصاية الجسد من العائلة إلى الدولة؟.

مصدر الصورة

العمل لا يسقط في خطاب عدائي ضد المؤسسات، ولا يحوّلها إلى خصم شيطاني. الجميع يتصرف وفق القانون. لكن ما يتسلل إلى الصورة هو برودة الإجراءات حين تواجه هشاشة إنسانية قصوى. فالرعاية، مهما بلغت مهنيتها، تظل ناقصة إن غاب بعدها الشخصي. الفيلم لا يدين، بل يترك السؤال معلقًا: هل تكفي العدالة الإجرائية حين يتعلق الأمر بالحب؟.

تمثيل رفيع

تتجلى قوة “ملكة عند البحر” في أداء ممثليه. جولييت بينوش ترسم شخصية ابنة تبدو صارمة، لكنها تتآكل من الداخل؛ إنها ممزقة بين دور الحامية وعبء اتخاذ القرار. توم كورتني يمنح مارتن عمقًا إنسانيًا نادرًا، لا يبدو مستغِلًا، بل عاشقًا مسنًا يخشى أن يُختزل تاريخه في تقرير طبي.

أما العلاقة الكيميائية بين كورتني وآنا كالدر-مارشال فتشكل القلب العاطفي للفيلم. نظرة، لمسة، ابتسامة غائمة… تفاصيل صغيرة تلمح إلى تاريخ طويل من العِشرة. في أكثر من لحظة يستحضر العمل أجواء فيلم Amour، لمخرجه هونيكر، لكنه يذهب أبعد منه بطرحه سؤال الرغبة نفسها في حضرة المرض.

الفيلم يتجنب الانفعال المفتعل: لا صراخ، لا خطابة. حتى في ذروة التوتر يظل الحوار هادئًا، كأن الشخصيات تدرك أن الضجيج لن يعيد ذاكرة ضائعة، ولن يحسم معضلة أخلاقية معقدة.

مصدر الصورة

خط موازٍ… وحياة تستمر

إدخال شخصية الحفيدة (فلورنس هانت) يمنح السرد بعدًا جيليًا واضحًا. بينما تتداعى ذاكرة الجدة تولد قصة حب أولى خفيفة في لندن. المفارقة رمزية: الحياة تنبثق في اللحظة نفسها التي يتلاشى فيها الوعي. غير أن هذا الخط، رغم دلالته، يبطئ الإيقاع ويشتت التركيز عن جوهر الصراع.

خاتمة بين النضج والمبالغة

يحافظ الفيلم طوال مساره على توازن أخلاقي دقيق، رافضًا تقديم إجابات قاطعة، لكنه في لحظاته الأخيرة يميل إلى تضخيم أثره العاطفي، وكأنه يخشى أن يترك جمهوره في منطقة الغموض. هنا فقط يبدو العمل مصاغًا بإحكام زائد، بعد أن كان قبلها صادقًا في هشاشته.

ما وراء الحكاية.. سؤال الكرامة

“ملكة عند البحر” ليس فيلمًا عن الخرف فحسب، بل عن كرامة الإنسان حين تتصدع إرادته؛ إنه تأمل في هشاشة مفهوم العائلة الحديثة، وفي صعوبة اتخاذ القرار حين يغيب صاحب القرار. هل الحب كافٍ؟ أم إن القانون هو الملاذ الأخير؟.

الفيلم يلمّح إلى أن الإنسانية لا ترتبط بمكان بعينه، ليست حكرًا على البيت، ولا مضمونة داخل المؤسسة؛ إنها تتجلى في النية، في المحاولة في الإصرار على حفظ الكرامة حتى حين يتبدد الوعي.

في المحصلة يقدم فيلم “ملكة عند البحر “عملًا ناضجًا وجريئًا، يخوض منطقة أخلاقية ملتبسة دون أن يسقط في الابتذال أو الوعظ. فيلم يذكّرنا بأن الشيخوخة لا تطفئ الرغبة، وأن الحب – مهما التبس وتعقّد – يظل آخر ما يقاوم النسيان.

* كاتب ومخرج مقيم في برلين
هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا