آخر الأخبار

"جمهورية المسرح" (1).. صيف 1962 الدموي، حرب الإخوة التي وضعت الجزائر في يد الجيش

شارك

هبة بريس – شفيق عنوري

عند الحديث عن استقلال الجزائر، دائماً ما تُستحضر حرب التحرير ضد جيش الاحتلال الفرنسي، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من المقاومين، ولكن قلة قليلة سمعت عن أزمة صيف 1962، التي عرفت تطاحناً سياسيا وعسكريا بين صانعي الاستقلال، من أجل الوصول إلى السلطة.

الجزائر.. مفترق الطرق

مباشرة بعد توقيع اتفاقية إيفيان في 18 مارس 1962، وجدت الجزائر نفسها أمام مفترق الطرق، إذ دخل قادة التحرير في خلافات حادة بسبب “طموحات شخصية وصراعات على الشرعية والسلطة”، وصلت إلى حد التصادم، وحُسمت بـ”القوة” لا بـ”التوافق”، وفق ما ذكرته مصادر ومراجع جزائرية.

وحسب ورقة بحثية أنجزها جمال بلفردي، ونشرت في مجلة الإحياء المجلد 20؛ العدد 25؛ يناير 2020، بعنوان: “الجزائر عشية الاستقلال وأزمة صيف 1962: الأطراف، المواقف، الإفرازات”، فإن أعلى هيئتين للثورة، هيئة الأركان العامة (جماعة وجدة) والحكومة المؤقتة (جماعة تيزي وزو) دخلاً في خلافات حادة.

اتهامات لبومدين بارتكاب جرائم..

في 30 يونيو 1962، وبعد اشتداد الأزمة عقب اجتماع طرابلس قبل نحو شهر، أعلنت الحكومة المؤقتة، برئاسة بن خدة بن يوسف، عن حل هيئة الأركان العامة التي كانت تضم قادة جيش التحرير؛ بن بلة، بيطاط، خيضر، بومدين، وفرحات عباس، مطالبة إياهاً بالمثول لسلطتها.

ولم يكتف بن خدة بخطاب الحل، بل ندّد بـ”النشاطات الإجرامية”، لـ”أعضاء هيئة الأركان العامة وبالضبط الثلاثي: بومدين، قايد أحمد، منجلي سي علي”، مقررا “تخفيض وتجريد الثلاثي من رتبهم العسكرية”، غير أن قادة الجيش رفضوا الانصياع للقرار.

بن بلة من القاهرة: سندخل الجزائر بالقوة

وردّت هيئة الأركان، حسب الدراسة نفسها، بأن لا شرعية للحكومة المؤقتة منذ اجتماع طرابلس، وبأن الجهة المخول لها اتخاذ مثل هذه القرارات هي المجلس الوطني للثورة، قبل أن توجه أوامر لكل الضباط والجنود بالامتثال لأوامر قادتهم العسكريين، والبقاء في مواقعهم، والتحضير للدخول إلى الجزائر.

وفي بداية شهر يوليوز 1962، حين كان أعضاء الحكومة المؤقتة ومنهم كريم بلقاسم، وبن خدة بن يوسف، ومحمد بوضياف، يحتفلون باستقلال البلاد، ويعلنون عن تأسيس “جماعة تيزي وزو” في الولاية الثالثة التاريخية، كان أحمد بن بلة يُصرح من القاهرة، بأنه بصدد “الإعداد لمخطط عملي للدخول إلى الجزائر”، دون أن يستبعد “اللجوء إلى القوة”، فيما كان جيش التحرير يحتفل على طريقته بالحدود.

ولاحقاً تقرر بعد اجتماع 10 يوليوز في العاصمة المغربية الرباط، دخول جماعة وجدة إلى الجزائر، حيث استقرت في تلمسان ثم وهران، لتسمى لاحقا بـ”جماعة تلمسان”، فيما واصلت الحكومة المؤقتة إدارة الأمور ، تمهيداً لدخول العاصمة التي كانت تعيش على وقع استمرار نشاط التنظيم السري الفرنسي.

الجزائر برأسين

وظلت الجزائر برأسين، واحد تقوده الحكومة المؤقتة برئاسة بن خدة، والثاني تقوده هيئة الأركان بتوجيهات بن بلة، حيث سعا الطرفان لاستقطاب كافة الولايات التاريخية الست، وخاصة الرابعة، التي كانت تضم العاصمة، غير أن الأخيرة رفضت الاصطفاف لا في جانب الجيش ولا في جهة الحكومة.

وبعد اصطفاف الولاية الأولى إلى جانب هيئة الأركان، التي كان بومدين قائد الولاية الخامسة أحد أعضائها،والولاية السادسة، تمكنت الحكومة المؤقتة من استقطاب الولايتين الثالثة والرابعة وبعض أعضاء الولاية الثانية؛ التي مال أعضاء آخرون منها لـ”جماعة تلمسان”.

وفي ظل هذا التصدع الكبير بين الحكومة والجيش الفتي، قرر قادة الولايات الست الاجتماع من أجل توحيد الصفوف، حيث قرروا تأسيس “مجلس تنسيقي ما بين الولايات لتوحيد حركتهم والاحتفاظ بوحدة الأمة”، ليتم إيفاد لجنة خاصة إلى هيئة الأركان والحكومة المؤقتة لإخبارهما بالقرار.

جيش بن بلة وبومدين يحتل الجزائر!

تسارعت الأحداث بعدها، واشتعلت حرب البيانات والبيانات المضادة، والدخول المتسرع لأعضاء الحكومة المؤقتة برئاسة بن خدة إلى الجزائر، حيث دخلا في حرب محدودة، خصوصا بعدما قرر جيش التحرير التقدم داخل البلاد من الحدود الغربية والاستقرار في تلمسان، ومن الحدود الشرقية والتوقف بسوق أهراس.

الحكومة المؤقتة لم تكن قادرة على المواجهة العسكرية، ما دفع كريم بلقاسم ومحمد بوضياف إلى إعلان عن تأسيس لجنة الدفاع عن الثورة، مؤكدين عزمهما “مواجهة دكتاتورية جيش التحرير الوطني بالقوة إذا حاول بن بلة أن يفرض عليهما دكتاتورية بن بلة العسكرية الجزائرية”، وفق تسميتهما.

لاحقا أعلن بن بلة من تلمسان عن عقد اجتماع تنسيقي لتوحيد الصفوف، أسفر عن تأسيس مكتب سياسي باعتباره سلطة شرعية في الجزائر الجديدة، والعمل على “بناء الدولة الفتية والتحضير للمؤتمر الذي سينعقد في نهاية سنة 1962”، لتدخل “جماعة تلمسان” العاصمة في 2 غشت، باعتبارها سلطة قائمة.

هيئة الأركان تحسم الصراع بقوة السلاح

قبل ذلك بـ 8 أيام، كانت وحدات جيش التحرير قد دخلت قسنطينة بقيادة خالد نزار، حيث وقع اشتباك مع قوات الحدود المدعمة بوحدات الولاية الأولى، أدى لسقوط قتلى وجرحى واعتقال قائد الولاية الثاني صالح بوبنيدر، ومعه العقيد لخضر بن طوبال، ليخرج الجزائريون للاحتجاج على الصراع.

ورغم دخول بن بلة للعاصمة، رفضت الولاية الرابعة الانصهار في الجيش، وقررت المواجهة، حيث أعلنت في 19 غشت حالة الطوارئ، وبدأ في تنظيم نفسها للرد على الهجوم المتوقع من جيش التحرير، وهو ما قررته أيضا الولاية الثالثة، ليدخل الطرفان في مواجهات محدودة ضد هيئة الأركان.

نزعة عسكرية للدولة الجزائرية

وخلصت الورقة البحثية إلى أن جيش التحرير على الحدود، الذي حسم الصراع لصالحه ولصالح الطرف الذي استعمله كوسيلة للوصول إلى السلطة (هيئة الأركان؛ جماعة تلمسان”، معتبراً أن أزمة صيف 1962، كشفت عن بداية استمرار النزعة العسكرية للجزائر ما بعد الاستقلال.

واعتبر المحلل والمجاهد، حسب وصف الورقة البحثية، عبد الحميد مهري، أن أزمة صيف 1962، شملت جميع الهيئات القاعدية، وأحدثت شرخا عميقا لدى الطبقة السياسية، وواجهت البلاد عشية الاستقلال ظروفا صعبة نتيجة الصراعات الكبيرة بين المناضلين الذين صنعوا الاستقلال.

أزمة صيف 1962، هي “كوميديا سوداء” على خشبة المسرح السياسي، ترز كيفية دخول الإخوة الذين حاربوا معا لنيل الاستقلال، في صراعات دامية من أجل السلطة، وعن الأساليب التي انتهجها الجيش للسيطرة على دوائر القرار، حتى وإن كان ذلك عبر إراقة دماء أبناء البلد الواحد.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا