آخر الأخبار

ذاكرة “الصحيفة”.. بوز ينبش في أسرار الانتقال من “الجلباب الحزبي” إلى مغامرة الاستقلالية الملغومة (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

استعاد الأستاذ الجامعي والصحافي السابق أحمد بوز تفاصيل مرحلة دقيقة من مسار أسبوعية “الصحيفة” بعد إعادة إطلاقها، كاشفا عن كواليس التحرير، وتحديات الاستقلالية، والرهانات السياسية التي أحاطت بتجربة وُصفت آنذاك بأنها من أبرز تجارب الصحافة المستقلة بالمغرب.

انطلاقة بألغام سياسية

وأوضح البوز ضمن الحلقة السادسة من برنامج “شهادات خارج النص”، أن أول مقال وقّعه ضمن هيئة التحرير في صيغتها الجديدة تناول موضوع “الانفلات داخل الحركة الأمازيغية”، بتكليف من رئيس التحرير عبد العزيز كوكاس، في اختيار عكس منذ البداية توجه الجريدة نحو الملفات الحساسة.

وفي العدد نفسه، أُنجز حوار حول تيار “الوحدة والديمقراطية” داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في سياق تداعيات انشقاقات مؤتمر 2001 ومحاولات رأب الصدع داخل الحزب.واعتبر أن الاشتغال على هذه الملفات منذ الأعداد الأولى لم يكن قراراعفويا، بل يعكس إرادة تحريرية لاقتحام مناطق ظل في النقاش العمومي، بعيدا عن الحسابات الضيقة.

ومن أبرز المحطات التي توقف عندها، غلاف العدد 29 الذي تضمّن حوارا مع أحمد بنجلون، الأمين العام لحزب الطليعة، على خلفية التصريحات المثيرة التي أدلى بها أحمد البخاري بخصوص قضية اغتيال المهدي بن بركة.

وأشار إلى أن العنوان القوي الذي استعاد شهادة حول التعذيب منح العدد انتشارا لافتا، وأدخل الجريدة في قلب نقاش سياسي وحقوقي حساس، في لحظة كانت فيها ملفات “سنوات الرصاص” تعود بقوة إلى الواجهة.

فريق شاب… واشتغال بلا وصاية

أكد البوز أن هيئة التحرير ضمت صحافيين شبابا، أغلبهم لم يخض تجربة الصحافة المستقلة من قبل، غير أن ذلك لم يمنع من إخراج أعداد جريئة. وأبرز أن دور رئيس التحرير كان حاسما في تأطير التجربة دون فرض وصاية تحريرية، إذ لم يكن التدخل في التفاصيل اليومية واردا، وكانت الاجتماعات تتم أحيانا بشكل غير رسمي، في الممرات أو عبر الهاتف.

وأوضح أن التنسيق كان يتم بوسائل بسيطة مقارنة بالمعايير الحالية، في ظل غياب أدوات التواصل الرقمي المتطورة، غير أن روح الانسجام بين أعضاء الفريق، بحكم التقارب الجغرافي والاجتماعي، ساهمت في خلق دينامية عمل متماسكة.

ويشير إلى أن تجربة إخراج العدد الأول لم تكن سهلة بالنظر إلى حداثة سن أغلب أعضاء الفريق وقلة تجربتهم في الصحافة المهنية المستقلة، غير أن خبرة كوكاز السابقة داخل الجريدة ومع الفريق المؤسس أسهمت في ضمان الاستمرارية وتيسير الانتقال. وأضاف أن العمل تم بروح جماعية، وأن توزيع الأدوار والتنسيق جعل العملية تمر بسلاسة، دون الإحساس بفوارق كبيرة عن فرق أكثر تمرسا.

كما لفت إلى أن هيئة التحرير اشتغلت في البداية بشكل جزئي وعن بعد، في ظل غياب مدير إداري بالمعنى المتعارف عليه داخل المؤسسات الإعلامية، وهو ما أتاح هامشا واسعا من المرونة في النقاش واتخاذ القرار. واتسمت العلاقة مع رئيس التحرير بالانفتاح والتشجيع، ما عزز الثقة داخل الفريق.

وتميزت المرحلة بحضور قوي للمادة السياسية، بحكم الخلفيات الحزبية والحقوقية لعدد من الأعضاء، ما مكّن من معالجة دقيقة للشأن العام، سواء في أبعاده السياسية أو الحقوقية أو الاجتماعية والثقافية.

ويؤكد المتحدث أن الفريق اشتغل بروح تضامن وانسجام، معتبرا أن التجربة لم تكن مدفوعة باعتبارات مادية بقدر ما كانت رهانا على التكوين وبناء الاسم داخل سوق الصحافة. وسجل أن التحدي كان مزدوجا: إثبات القدرة المهنية من جهة، وتثبيت استمرارية الجريدة في سياق تنافسي كانت تستعد فيه عناوين أخرى للصدور، ما جعل من العدد 29 محطة مفصلية في مسار فريق شاب قرر خوض مغامرة الصحافة بثقة وإصرار.

قطيعة مع الصحافة الحزبية

وفي ما يتعلق بخلفيته السياسية، اعتبر البوز أن التحاقه بـ”الصحيفة” مثّل انتقالا فعليا من الصحافة الحزبية إلى ممارسة مهنية مستقلة. وأوضح أن التجربة فرضت التخلي عن منطق الاصطفاف والانفتاح على مختلف الفاعلين، بما في ذلك من كانوا يُصنفون سابقا كخصوم سياسيين.

وأشار إلى أن الاستشهاد بمصادر متنوعة وإجراء لقاءات مع قيادات من اتجاهات مختلفة أصبح جزءا من ثقافة التحرير، في قطيعة مع “التنميط الحزبي” وتقديس الأشخاص الذي كان سائدا في بعض المنابر الحزبية.

وكشف أن العمل الميداني والاحتكاك المباشر بعدد من الفاعلين السياسيين دفعه إلى مراجعة تصورات سابقة. واستشهد بتجربته في التعرف عن قرب على القيادي عبد العزيز المسيوي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره منتميا إلى “حزب إداري” قبل أن يكتشف غنى تجربته السياسية وجرأته داخل البرلمان، ومن بينها موقفه الداعم لـ عبد الهادي خيرات في سياق خلاف داخلي.

ومن أبرز اللحظات التي استحضرها، نشر الجريدة لخبر استقالة عبد الرحمن اليوسفي سنة 2002، مؤكدا أن “الصحيفة” كانت أول من أورد الخبر. واعتبر أن الموقف التحريري لم يكن موجها للدفاع عن شخص اليوسفي بقدر ما كان دفاعا عن “المنهجية الديمقراطية”، في سياق ما اعتُبر آنذاك تجاوزا لإرادة صناديق الاقتراع.

وأوضح أن بعض العناوين التي رافقت التغطية عكست تموقعا تحريريا واضحا يقوم على الانتصار للقيم الديمقراطية، بعيدا عن الاصطفاف الحزبي.

المصداقية في زمن التوتر

وعن توليه مهام سكرتير التحرير بعد سبعة أشهر من انطلاق التجربة، وصف المنصب بأنه القلب النابض للجريدة، حيث يتقاطع فيه التحرير والتنسيق والإخراج. وأوضح أن المهام شملت مراجعة المواد، وكتابة التحقيقات، والإشراف على بعض الصفحات، بما فيها الرياضة، في ظل ضغط مستمر خلال “ليالي البوكلاج”.

وأشار إلى أن العمل كان يمتد لساعات متأخرة من الليل لتسليم العدد إلى المطبعة في الوقت المحدد، مؤكدا أن الالتزام الشخصي كان عنصرا حاسما في إنجاح التجربة.

وشدد البوز على أن نجاح “الصحيفة” لم يكن وليد الصدفة، بل ارتبط بثقة القارئ في خطها التحريري. وأوضح أن القراء كانوا يعتبرون اقتناء الجريدة استثمارا في المعلومة الجادة، خاصة خلال الفترات الحساسة التي أعقبت أحداث 16 ماي 2003، حيث ارتفع منسوب الرقابة الذاتية وتزايدت المخاطر المرتبطة بالممارسة الصحافية.

وخلص أحمد بوز إلى أن تلك المرحلة شكلت اختبارا حقيقيا لقدرة الصحافة المستقلة على الصمود في سياق سياسي متقلب، معتبرا أن التجربة رسخت قناعة بأن المهنية والاستقلالية هما الضمانة الأساسية لكسب ثقة الجمهور.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا