نبهت جمعيات حماية المستهلك ونقابات النقل في المغرب إلى “محدودية العرض المسجل على مستوى سيارات الأجرة، خصوصاً في المدن الكبرى، على غرار العاصمة الرباط”، معتبرة أن “الوضع أفرز فجوة بين التوسع العمراني المتسارع وبين البنية التحتية لوسائل النقل الحضري، ما يضع السياسات العمومية أمام تحديات التوفيق بين تزايد الطلب اليومي وضرورة تحديث آليات التدبير لضمان انسيابية التنقل داخل المدن”.
واعتبرت الفعاليات ذاتها أن “تجاوز الاختلالات في قطاع النقل بات يتطلب رؤية شمولية تتجاوز الحلول التقليدية نحو تبني نماذج أكثر مرونة واستجابة للتحولات الرقمية”، موردة أن “المسألة لم تعد تقتصر على توفير المركبات فحسب، بل تمتد لتشمل مراجعة المنظومة القانونية والمهنية المؤطرة للقطاع، بما يضمن الارتقاء بجودة الخدمة، وتكريس مبادئ المنافسة”.
بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، قال إن “المغرب بحاجة فعلا إلى تقوية النقل العمومي، خصوصا على مستوى الحواضر الكبرى التي باتت تشهد ضغطا متزايدا”، مشددا على “ضرورة تعزيز خدمات الحافلات والترامواي وفتح الباب أمام أسطول جديد لسيارات الأجرة، لأن هذه الوسائل جميعها تتكامل في ما بينها لدعم النقل الحضري”.
وأشار الخراطي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “النقل الحضري في مختلف المدن يُعدّ سياسة عمومية قائمة بذاتها، تتطلب رؤية واضحة وتدبيراً محكماً”، مضيفاً أن “من بين الحلول المقترحة تحرير السوق أمام التطبيقات الذكية، لأنها يمكن أن تساهم في حل إشكالية تنقّل المستهلكين داخل المدينة، مهما كانت طبيعة تنقلاتهم”.
كما أوضح المتحدث أن “الجامعة تنطلق من مبدأ أن القطاعات القائمة على نظام المأذونيات تخلق بيئة خصبة للريع، حيث تتحول الرخصة إلى منفعة مادية مباشرة تتداخل فيها مصالح أطراف متعددة”، موردا أن “هذا الوضع يلقي بظلاله على السائق المهني الذي يجد نفسه ملزماً بتسديد مستحقات يومية لصاحب الرخصة أو الكراء، ما يؤدي إلى بروز سلوكيات سلبية تؤثر على جودة الخدمة، مثل اختيار المسارات أو انتقاء الركاب، بعيداً عن الاحترافية المطلوبة في التعامل مع الزبون كأولوية”.
وذكر رئيس الجامعة سالفة الذكر أن “المدخل الأساسي لتحديث قطاع سيارات الأجرة وتجاوز اختلالاته يكمن في تحرير السوق وفتحها أمام التطبيقات الرقمية”، مؤكداً أن “هذا التحول يجب أن يرافقه اعتماد تدابير صارمة واحتياطات قانونية دقيقة لضمان حماية المستهلك من أي تجاوزات، سواء كانت احتيالاً أو ممارسات غير قانونية، لضمان خدمة آمنة ومتطورة تليق بتطلعات المواطنين”.
سمير فرابي، الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل، أشار إلى الارتفاع الطبيعي والاضطراري في الطلب على خدمات النقل الحضري، ولا سيما صنف سيارات الأجرة، مبرراً ذلك بـ”التوسع العمراني المتسارع وحركة الزحف نحو الحواضر الكبرى بفعل تركز الوظائف والخدمات الحيوية بها”، وداعيا إلى “إصدار تراخيص، ولو في صيغة استثنائية، للنقل عبر التطبيقات الذكية كحل مرحلي في انتظار هيكلتها وتقنينها بشكل نهائي، لضمان سد الخصاص في العرض”.
وتطرق فرابي، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن تعدد المتدخلين في قطاع سيارات الأجرة يجعل هذه المنظومة تعاني من “اختلالات بنيوية” عميقة تعيق أي محاولة للإصلاح الشامل، مؤكدا أن “تشتت مراكز القرار بين ما هو إداري ومهني ونقابي يساهم في تكريس العشوائية، ويمنع بلورة رؤية موحدة تستجيب لتطلعات المهنيين من جهة، وحاجيات المرتفقين الذين يواجهون صعوبات يومية في التنقل من جهة أخرى”.
وشدد الأمين العام للنقابة المذكورة على أن “الاستمرار في نهج الحلول الترقيعية لم يعد كافياً لمواكبة التحولات الرقمية التي فرضت نفسها على السوق العالمي والوطني”، معتبراً أن “التأخر في مراجعة القوانين المنظمة للنقل يخدم الفوضى ويحرم خزينة الدولة من موارد هامة، فضلاً عن كونه يضع السائقين والزبائن في مواجهات قانونية وميدانية كان من الممكن تفاديها بتبني مقاربة تشاركية جريئة وشجاعة”.
كما لفت الفاعل النقابي إلى أهمية “تأهيل العنصر البشري وعصرنة الأسطول ووضعهما على رأس الأولويات”، مطالبًا الجهات الوصية بـ”فتح حوار جدي ومسؤول يهدف إلى إرساء مقتضيات رسمية جديدة للنقل الطرقي، تنهي ‘اقتصاد الريع’ في القطاع، وتضمن تكافؤ الفرص بين جميع المتدخلين، بمن فيهم الوافدون الجدد من أصحاب النقل عبر الوسائط التكنولوجية، لضمان جودة الخدمة وسلامة المواطنين”.
المصدر:
هسبريس