آخر الأخبار

رغم المناورات الجزائرية .. البوليساريو تغيب عن القمة الإفريقية الإيطالية

شارك

سجلت قمة إفريقيا–إيطاليا، التي احتضنتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بمشاركة 54 دولة إفريقية، غياب جبهة البوليساريو الانفصالية، في دلالة سياسية مهمة تعكس طبيعة التوجه الذي بات يحكم القمم متعددة الأطراف ذات الطابع التنموي، القائم على حصر المشاركة في الدول ذات السيادة المعترف بها دوليا، وفي إطار مؤسساتي ينسجم مع هذه اللقاءات.

برز هذا الغياب رغم المحاولات التي قادتها الجزائر، بدعم من بعض حلفائها داخل القارة الإفريقية، للدفع نحو إشراك البوليساريو في أشغال القمة، غير أن الموقف الإيطالي اتسم بالوضوح والحزم، حيث امتنعت روما عن توجيه أي دعوة للجبهة، متمسكة بالمنهج المعتمد في الشراكات الإفريقية–الأوروبية، الذي يقتصر على التعامل مع الدول الأعضاء والفاعلين الرسميين.

يعكس هذا القرار توجها جديدا لدى شركاء الاتحاد الإفريقي الدوليين، يروم تحييد القمم التنموية عن التجاذبات السياسية والنزاعات الإقليمية، والتركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، ودعم مشاريع البنية التحتية والطاقة والتنمية المستدامة، باعتبارها أولويات ملحة للقارة الإفريقية في المرحلة الراهنة.

كما يندرج هذا التطور في سياق التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على الصعيد الدولي، حيث تتنامى المقاربة البراغماتية لدى عدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين، عبر دعم الحلول الواقعية والعملية، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، مما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتهيئة مناخ ملائم للتعاون والشراكات طويلة الأمد.

تفاعلا مع الموضوع، قال شرقي خيطار، باحث في العلوم السياسية والإعلام، إن انعقاد القمم التي تجمع الاتحاد الإفريقي بالدول أو المنظمات الدولية يتم، في العادة، وفق ترتيبات وإجراءات دقيقة ومسبقة، تشرف عليها الهيئات المختصة داخل الدول المعنية والاتحاد الإفريقي، بما يضمن احترام الأعراف الدبلوماسية والأهداف المسطرة لهذه اللقاءات.

وأضاف خيطار، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن بعض المحاولات التي تبرز أحيانا لإثارة النعرات أو تمرير أجندات خارج مسودة التنسيق الرسمي، تبقى معزولة ولا تعكس الاتجاه العام السائد، بل تؤدي فقط إلى التشويش على أهداف القمم ومخرجاتها، مشددا على أن “قمة الاتحاد الإفريقي مع إيطاليا تندرج في سياق مختلف، يهدف أساسا إلى الدفع قدما بتطوير العلاقات وتعزيز الشراكات وتحقيق مصالح متبادلة لكافة الأطراف”.

وأورد رئيس مركز الجنوب للدراسات والأبحاث أن قراءة هذا المشهد على ضوء انعقاد القمة بأديس أبابا والظرفية الراهنة وتطورات ملف الصحراء، تكشف عن اعتماد إطار عام واضح يقوم على تحويط الصراعات السياسية داخل الاتحاد الإفريقي، وتكريس منطق التعاون الاقتصادي، مع تثبيت الخيارات الواقعية المبنية على العلاقات بين الدول ذات السيادة فقط، وتقويض الكيانات غير المعترف بها.

وأوضح الأستاذ الجامعي أن هذا التوجه ينسجم مع دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا لتسوية النزاع، في إطار خيارات جيو-سياسية دولية تروم تجفيف منابع عدم الاستقرار المؤثرة على مناخ التعاون والتنمية والسلم والأمن في المنطقة.

وتابع قائلا: “إن هذا المسار يقود إلى مسارين متكاملين؛ أولهما مسار ضبطي يحد من الممارسات التي طبعت بعض المحطات السابقة، عبر أطر دبلوماسية وضوابط قانونية تقلص مظاهر الانقسام والفوضى، وثانيهما مسار واقعي يتجاوز الخطاب العاطفي والتمسرح السياسي، بشكل يضمن نجاعة القمم وتحقيق أهدافها في مجالات التعاون والتكامل والاندماج الاقتصادي والتنموي”.

وخلص شرقي خيطار إلى أن هذا التحول يعكس نضجا متزايدا في التعاطي مع القضايا الإفريقية، ويؤشر على إرادة جماعية لتوجيه القمم متعددة الأطراف نحو نتائج عملية تخدم الاستقرار والتنمية المشتركة.

من جانبه، سجل السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن تطورات ملف الصحراء تندرج اليوم ضمن سياق سياسي جديد وغير مسبوق، يقوم على البحث عن حل واقعي تحت السيادة المغربية، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، ويعكس تحولا نوعيا في مقاربات الفاعلين الدوليين لهذا النزاع.

وأضاف رحال، في تصريح لهسبريس، أن الموقف الذي عبرت عنه إيطاليا يندرج في صلب هذا السياق، ويتقاطع مع الزخم الذي أحدثه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي اتخذ من المبادرة المغربية للحكم الذاتي قاعدة أساسية للحل، مؤكدا أن هذا التوجه يكرس عمليا انتفاء أي أفق مستقبلي لكيان يسمى “الجمهورية الصحراوية”.

وأوضح المتحدث أن إيطاليا، من خلال هذا الموقف، تجدد التزامها الصريح بقرارات مجلس الأمن الدولي، وهو الالتزام نفسه الذي سبق أن عبر عنه الاتحاد الأوروبي، ما يعكس انسجاما متزايدا داخل الفضاء الغربي حول أولوية الحلول الواقعية والعملية، بعيدا عن الأطروحات الانفصالية التي أثبتت فشلها.

ونبه المصرح لهسبريس إلى أن الجزائر وجبهة البوليساريو راهنتا، منذ صعود رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الحكم، على إمكانية تغيير روما لموقفها من القضية، خاصة على خلفية زيارة سابقة قامت بها ميلوني إلى مخيمات تندوف، غير أن المعطيات الراهنة أظهرت أن تلك الرهانات كانت في غير محلها.

في هذا السياق، يرى السالك رحال أن ما يجري اليوم يمثل تجسيدا فعليا لإرادة أمريكية واضحة تعتبر أن السبيل الوحيد أمام الصحراويين هو الانخراط في مسار الحكم الذاتي، وهو ما تأكد أيضا عندما اضطرت البوليساريو، قبل أقل من أسبوعين، إلى سحب ملف ترشيحها لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بعد وقت وجيز من انتهاء اليوم الأول من المشاورات التي احتضنتها السفارة الأمريكية في مدريد، في مؤشر على ضغوط دولية دفعتها للتعامل باعتبارها حركة فقط وليس “دولة”.

وأكمل رحال حديثه لهسبريس بالتأكيد أن الرفض الإيطالي يحمل دلالات عميقة لما هو قادم، مرجحا أن تشهد المرحلة المقبلة انسحاب البوليساريو نهائيا من الاتحاد الإفريقي، والانخراط في مسار تفاوضي جدي مع باقي أطراف النزاع، من أجل التوصل إلى حل نهائي تحت السيادة المغربية، يضع حدا لهذا الملف ويفتح آفاقا جديدة للاستقرار والتنمية بالمنطقة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا