في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد إدريس أيتلحو، أستاذ سوسيولوجيا التراب بجامعة جامعة القاضي عياض بمراكش، أن الفيضانات التي شهدها شمال المملكة مؤخرا، أعادت إلى الواجهة إشكالية العدالة الترابية والاستشراف في السياسات العمومية، داعيا الدولة إلى مضاعفة مجهوداتها لمواكبة التحولات المناخية المتسارعة، ومشددا على أن الكوارث لم تعد “طبيعية” بالمعنى الخالص، بل أصبحت “سوسيو-طبيعية” ترتبط بشكل وثيق بكيفية تدبير الإنسان للمجال.
وأوضح أيتلحو خلال مروره ببرنامج “إيمي ن إغرم” الناطق بالأمازيغية، على منصات جريدة “العمق”، أن الدولة قامت بأمور “كبيرة ومهمة” عبر أجهزتها ومؤسساتها، غير أن حجم التحديات المناخية الراهنة يفرض الانتقال إلى مستوى أعلى من الاستعداد والتخطيط، مبرزا أن العالم بأسره يعيش حالة “لايقين مناخي”، ما يستدعي تعزيز مجالات الاستشراف والتوقع، خاصة في ما يتعلق بالمخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية.
وشدد المتحدث على أن الظرف المناخي العالمي لم يعد يسمح بالاكتفاء بردود الفعل الآنية، بل يفرض بناء سياسات طويلة النفس، تؤسَّس على رؤية تمتد لسنوات وعقود، لأن “من يريد معالجة مشاكل اليوم، عليه أن يشتغل عليها قبل خمس أو عشر سنوات”، وفق تعبير الخبير في سوسيولوجيا التراب.
وأضاف الأكاديمي المغربي، أن المناطق الهشة تكون الأكثر تضررا، في حين تقل الخسائر في المجالات التي تحضر فيها الدولة بمؤسساتها ومعداتها وآلياتها بشكل قوي. ووصف الوضع بأن الأمر يتعدى “مغرب بسرعتين”، بل “أربع سرعات” أو أكثر، بعدد الترابات المختلفة من حيث الموارد والبنيات والمؤسسات الحاضرة فيها.
وحذر الخبير ذاته، من أن غياب العدالة الترابية يجعل الفئات الأكثر هشاشة في أسفل السلم الاجتماعي أولى ضحايا أي كارثة، مبرزا أنه لو وقعت فيضانات مماثلة لما حدث في الشمال بمناطق جبلية أو أكثر هشاشة، لكانت الخسائر “كبيرة جدا”.
وأشار أيتلحو إلى أن تدبير السدود والسياسات المائية وسائر السياسات العمومية المرتبطة بالمخاطر الطبيعية لا يمكن أن يتم “بين عشية وضحاها”، ولا عبر قرارات آنية أو قوانين استعجالية، معتبرا أن هذه الملفات تحتاج إلى بناء تراكمي طويل الأمد، وإلى رؤية استباقية تجعل “المستقبل بيدنا، لا أن نكون نحن بيد المستقبل”.
وبخصوص سؤال المسؤولية، أوضح أيتلحو أنه من منظور سوسيولوجي ترابي، وفي ظل تبني الدولة لرؤية جماعية في التدبير، يصعب الحديث عن مسؤولية فردية، موضحا أن الخطاب الرسمي يتحدث عن “مسؤولية جماعية”، ما يعني أن المسؤولية لا تُحمَّل لفرد بعينه، سواء كان شخصا أو مؤسسة ممثلة في مديرها أو كاتبها العام.
وأضاف أن هذا النمط من التدبير يوجد في دول أخرى، من بينها فرنسا، غير أنه نبه إلى أن غياب تحميل المسؤولية الفردية قد يفتح الباب أمام تكرار الفواجع، مستحضرا في هذا السياق فاجعة آسفي الأخيرة، متسائلا عمن تحمل المسؤولية، وأين وصلت تقارير تقصي الحقائق، مشيرا إلى أن الرأي العام لا يعرف ماذا وقع لحد الآن.
وفي تحليله لجذور الإشكال، توقف أيتلحو عند التحولات التي عرفها نمط البناء والعمران، موضحا أن المجتمعات، بما فيها المغربية، كانت تاريخيا تبني مساكنها في مناطق غير معرضة للمخاطر، بعيدا عن مجاري الأودية ومناطق انجراف التربة، اعتمادا على خبرات تقليدية متوارثة تحدد أين يُبنى وبأي مواد.
غير أن التحولات التي رافقت نشأة الدولة الوطنية، والحداثة، وما بعد المرحلة الكولونيالية، ثم التوسع الحضري المتسارع، أدت إلى ظهور مدن “تتكاثر كالفطائر”، بعمارات وبناء عشوائي أو حتى مرخص، لكنه قائم على أسس هشة.
وأشار إلى أن مدنا كبرى مثل الدار البيضاء والرباط تعرف اليوم أوراشا لمعالجة اختلالات البنية التحتية، من أنفاق وتصريف مياه وغيرها، وهي اختلالات كان يفترض التفكير فيها قبل 30 أو 50 سنة، لا بعد أن تتفاقم الأزمات.
وانتقد السياسات التي دفعت المواطنين إلى الهجرة من القرى نحو المدن، معتبرا أنه يفضل أن يعيش 80 في المائة من السكان في عالم قروي تتوفر فيه ضمانات العيش الكريم، بدل 80 في المائة في عالم حضري يعاني من هشاشة تجعل قطرات مطر أو تساقط ثلوج كافية لإحداث ضحايا وكشف أعطاب عميقة.
وشدد أيتلحو على أن الكوارث لم تعد طبيعية مائة في المائة، بل أصبحت “سوسيو-طبيعية”، ما دامت السياسات العمومية والتدخلات البشرية وحركية السكان فوق التراب تلعب دورا حاسما في حجم الأضرار واتجاهاتها.
وأوضح أن تدخل الإنسان في المجال، سواء عبر توجيه مجاري المياه أو التوسع العمراني أو خيارات التخطيط، يجعل جزءا من المسؤولية مرتبطا بالثقافة والسياسات العمومية. أما لو تُركت الطبيعة لنظامها الخاص، فإنها – حسب تعبيره – “تجد لنفسها حلا”، لأن فيها نظاما ذاتيا، لكن طريقة تدخل الإنسان وتدبيره هي التي تظهر المشاكل وتفاقمها.
المصدر:
العمق