أكد تقرير حديث صادر عن مجلس المنافسة أن إحداث مصنع إسمنت مندمج بالمغرب يظل مسارا استثماريا طويل الأمد ومعقدا، يمتد ما بين ثماني وعشر سنوات، بدءا من التنقيب الجيولوجي الأولي وصولا إلى التشغيل الفعلي. وسجل المجلس، ضمن رأي له حول “السير التنافسي لسوق مواد البناء، سوق الإسمنت نموذجا” أن الطبيعة الرأسمالية المكثفة لهذه الصناعة، إلى جانب حاجتها إلى رأسمال تشغيلي مهم قبل بلوغ الطاقة الإنتاجية الكاملة، تشكل حاجزا بنيويا أمام دخول فاعلين جدد إلى السوق.
وأوضح التقرير أن المشروع يتطلب تعبئة وعاء عقاري يستجيب لمعايير دقيقة، خاصة من حيث القرب من المقالع والبنيات التحتية ومناطق الاستهلاك، إضافة إلى ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي المستمر للمنشآت الصناعية وتفادي مخاطر تقادمها. كما أشار إلى أن تكاليف الاستثمار المرتفعة، سواء في ما يتعلق بالبنيات الأساسية أو التجهيزات الصناعية أو منظومات الامتثال البيئي، تجعل من ولوج السوق رهينا بقدرات مالية وتنظيمية كبيرة.
إقرأ أيضا: ثلاث شركات تهيمن على إنتاج الإسمنت بالمغرب.. ومبيعات الموزعين تتجاوز 9 مليارات درهم
وسجل مجلس المنافسة أنه منذ دخول مصانع الإنتاج التابعة لشركة “Atlas Ciments” بكل من بن أحمد وبني ملال حيز التشغيل خلال سنتي 2010 و2011، لم يشهد السوق سوى دخول فاعل مندمج جديد واحد، هو شركة “Novacim” التي شرعت في نشاطها بمدينة الجديدة سنة 2022. وباستثناء هذه الحالة، ظلت دينامية العرض محصورة أساسا في توسيع القدرات الإنتاجية للمصانع القائمة أو إطلاق وحدات جديدة من طرف الفاعلين المتواجدين سلفا، إلى جانب عمليات التوسع الخارجي.
ارتباط هيكلي بالموارد الطبيعية
وشدد التقرير على أن شركات الإسمنت المندمجة ترتبط بشكل وثيق بولوجها إلى الحجر الجيري، باعتباره المادة الأولية الأساسية لإنتاج “الكلنكر”. ويُعد حجم مكامن المقالع المستغلة وطبيعتها الجيولوجية عاملا حاسما في اختيار مواقع المصانع وفي تحسين مردوديتها الاقتصادية، نظرا لتأثير تكاليف النقل على تنافسية المنتج النهائي.
غير أن استغلال المقالع يواجه، إضافة إلى الإكراهات المالية، مساطر إدارية معقدة وطويلة الأمد، تنعكس سلبا على آجال الحصول على تراخيص الاستغلال وعلى خطط التزود. وأوضح المجلس أن هذه الوضعية تولد حالة من عدم اليقين بشأن الإمكانيات المتاحة لولوج مناطق جديدة لم يتم استغلالها بعد، رغم رصد موارد مالية مهمة لتطويرها، ما يحد من وضوح الرؤية الاستثمارية على المدى المتوسط والبعيد.
كما أشار التقرير إلى أن ندرة الموارد الطبيعية ذات الجودة المناسبة في بعض الجهات، واشتداد المنافسة حولها، يفرضان ضغطا إضافيا على الفاعلين المحتملين، خاصة في ظل اشتراطات بيئية متزايدة الصرامة مرتبطة بحماية المجال الترابي وتقليص الأثر البيئي للأنشطة الاستخراجية والصناعية.
بنية سوق الكلنكر ومخاطر التنسيق
وتوقف مجلس المنافسة عند البنية المركزة للسوق الناشئة لتوريد الكلنكر، معتبرا أنها تقيد البدائل المتاحة أمام مراكز الطحن المستقلة من حيث مصادر التوريد. وأوضح أن هذه البنية تنطوي على مخاطر محتملة للتنسيق، سواء على المستوى الأفقي بين الموردين أو العمودي بين الموردين ومصنعي الإسمنت المندمجين، بما قد ينعكس سلبا على شروط المنافسة في السوق البعدية لإنتاج وتسويق الإسمنت.
وأشار المجلس إلى أن مراكز الطحن المستقلة، التي تعتمد على التزود بالكلنكر من الشركات المندمجة، تظل معرضة لمخاطر مرتبطة بأسعار التوريد أو بشروطه، وهو ما قد يحد من قدرتها التنافسية ويؤثر على توازن السوق.
إقرأ أيضا: فواتير وهمية وممارسات تدليسية.. مجلس المنافسة يفضح “اختلالات” سوق الإسمنت بالمغرب
وفي هذا السياق، اعتبر التقرير أن التعهدات التي أضفى عليها المجلس طابعا إلزاميا، بموجب قراراته الصادرة إثر الإحالة المتعلقة بسوق الكلنكر، وكذا في إطار الترخيص لعملية التركيز الاقتصادي التي باشرتها مجموعة “Heidelberg Materials”، من شأنها تحسين شروط الولوج إلى مادة الكلنكر، وضمان تزويد شفاف وغير تمييزي لمراكز الطحن المستقلة، والحفاظ على دينامية المنافسة التي يكرسها هذا النموذج على الصعيد الوطني.
ويخلص التقرير إلى أن سوق الإسمنت بالمغرب يظل محكوما بتوازنات دقيقة بين متطلبات الاستثمار الصناعي الثقيل، وإكراهات الولوج إلى الموارد الطبيعية، والحرص على ضمان شروط منافسة فعالة. كما يؤكد أن تعزيز الشفافية وتبسيط المساطر الإدارية المرتبطة باستغلال المقالع، إلى جانب مراقبة سلاسل التوريد، تشكل عناصر أساسية لتهيئة بيئة أكثر انفتاحاً أمام فاعلين جدد، بما يساهم في تقوية التنافسية وضمان استقرار السوق على المدى الطويل.
المصدر:
العمق