تتسع رقعة التوتر بمنطقة سوس الكبير وكليميم واد نون، ولا سيما في مناطق سيدي إفني، وأيت باعمران، وتيزنيت وتارودانت، على خلفية ما تصفه فعاليات مدنية بـ”الاعتداءات المتكررة” التي ينفذها رعاة رُحَّل وأرباب شركات الرعي الجائر ضد ممتلكات الساكنة المحلية والمنظومة البيئية، وفي مقدمتها شجر الأركان المُصنَّف تراثا عالميا من طرف اليونسكو.
وبحسب بيان استنكاري صدر عن الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، وصل موقع “لكم” نسخة منه، فإن البيان أعاد الملف إلى الواجهة، محذراً من تحول النشاط الرعوي إلى “هجمات منظمة تمس الأرض والإنسان معاً”.
ووفق المعطيات الواردة في بيان الهيئة، فإن الأمر لم يعد يتعلق بحالات رعي عابرة، بل بسلوكات تُوصف بـ”الإجرامية”، تشمل اجتياح أراضي السكان الأصليين، وإتلاف المحاصيل الزراعية، وانتهاك حرمة المساكن، وصولاً إلى اعتداءات جسدية ولفظية في حق مواطنين عُزَّل. وتؤكد الشبكة أنها رصدت هذه الوقائع ميدانياً عبر مناضليها في مناطق أيت باعمران، وسيدي إفني، وتيزنيت وتارودانت.
واللافت في البيان ليس فقط حجم الاتهامات، بل الإشارة الصريحة إلى ما اعتبرته “صمتاً مريباً وسكوتاً شبه متواطئ” من قبل السلطات العمومية، التي لم تتدخل بالصرامة المطلوبة لتطبيق القانون وحماية ممتلكات الساكنة. وهو اتهام يضع المؤسسات المحلية والإقليمية أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بعجز في التدبير؟ أم بفراغ قانوني؟ أم باعتبارات اقتصادية واجتماعية أوسع ترتبط بسياسات تدبير المجال الرعوي؟
وربط بيان الهيئة هذه التطورات بسياسة “الأمر الواقع” التي تفرضها، وفق توصيفه، “جحافل الماشية المستوردة”، في إشارة إلى قطعان ضخمة يُعتقد أنها تعود لشركات أو مستثمرين في قطاع تربية المواشي، وليس فقط لرعاة تقليديين. وهو ما يتقاطع مع النقاش الوطني الأوسع حول تنظيم الترحال الرعوي، وتفعيل القانون 13-113 المتعلق بتنظيم التنقل الرعوي وتدبير المجالات الرعوية، الذي ظل تنزيله العملي يثير جدلاً في عدد من المناطق.
ولم تكتف الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، وفق بيانها، بـ”التنديد”، بل أعلنت تضامنها المطلق مع “جميع الضحايا”، مطالبة بتدخل فوري وحازم لجبر ضرر الفلاحين المتضررين، وحماية الحقوق في الأرض والموارد الطبيعية. كما حملت السلطات العمومية مسؤولية ضمان أمن المواطنين وتفعيل المقتضيات القانونية ذات الصلة، في أفق حماية حقوق الساكنة المستقرة.
وفي بعد حقوقي أوسع، استند البيان ذاته إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (2007)، ولا سيما المواد 25 إلى 32، التي تؤكد حق الشعوب الأصلية في امتلاك أراضيها واستغلالها وتنميتها، وضرورة احترام موافقتها الحرة والمسبقة قبل أي مشروع يؤثر على حقوقها التاريخية والمكتسبة. وفي الآن نفسه، يعكس استحضار المرجعية الدولية توجُّها نحو تدويل النقاش إذا ما استمرت، على حد تعبير الشبكة، “الانتهاكات”.
وبحسب مراقبين، يطرح هذا التصعيد أسئلة مركبة من قبيل: كيف يمكن التوفيق بين حق الرعاة في التنقل وممارسة نشاطهم الاقتصادي، وحق الساكنة المحلية في حماية أراضيها ومحاصيلها؟ وهل وفَّرت الدولة آليات ناجعة للوساطة، وضبط مسارات الترحال، وتعويض المتضررين؟ أم أن هشاشة الإطار التنظيمي، وتضارب المصالح، وامتداد شبكات النفوذ الاقتصادي، تجعل من المجال القروي ساحة مفتوحة لصراع غير متكافئ؟ وهو ما يؤكد أن ما يحدث في سوس الكبير وكلميم واد نون ليس مجرد نزاع حول الكلأ والماء، بل اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تدبير التوازن بين الاقتصاد الرعوي، وحماية المنظومات البيئية، وضمان الأمن المجتمعي، وسط تصاعد أصوات الاحتجاج. ليبقى الرهان الأكبر هو انتقال الملف من منطق البيانات والاستنكارات إلى منطق التحقيق والمساءلة وتفعيل القانون، قبل أن يتحول الاحتقان المحلي إلى أزمة اجتماعية أوسع.
المصدر:
لكم