لطالما كانت الأمطار رمزا للخير والرحمة ومصدر فرح مع حلول الموسم الفلاحي وامتلاء الآبار والسدود والعيون والينابيع، غير أن الصور المتداولة لخسائر الفيضانات وأضرار السيول عبر منصات التواصل الاجتماعي حوَّلت التساقطات المطرية لدى كثيرين إلى مصدر للقلق، ما يسائل انزياح دلالتها الرمزية من الطمأنينة والفرح إلى الترقّب والهلع.
زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع، قال إن “علاقة الإنسان بالطبيعة كانت دائما موصومة بالتناقض بين الطمأنينة والقلق في الوقت نفسه”، موضحا أنه “بقدر ما يشعر الإنسان بالاطمئنان تجاه الطبيعة لما تجود به عليه من خيراتها، فإنه يبقى قلقا بشكل دائم ومستمر من ظواهر طبيعية قد تهدد وجوده، مثل الفيضانات والزلازل والبراكين وغيرها، لذلك يجب أن ننظر إلى علاقة الإنسان بالطبيعة من خلال هذه الثنائية: الطمأنينة والتهديد في آن واحد”.
وأضاف أكضيض، في تصريح لهسبريس، أن “تمثلات المغاربة للمطر تغيّرت بشكل ملحوظ مع التحولات الاجتماعية، حيث انتقل المغرب من نمط عيش زراعي كان المطر فيه مصدر خير وبركة، إلى نمط عيش حضري أصبح هو السائد، وهذا النمط الحضري، بسبب هشاشته على مستوى البنية التحتية، يجعل تمثلات المطر تتحول نحو النظر إليه باعتباره مصدر تهديد، فحتى كميات قليلة من الأمطار قد تتسبب في أضرار داخل المدن”.
وأشار المتحدث ذاته إلى ما وصفه بـ”صناعة الخطر”، موضحا أن “المخاطر المرتبطة بالمطر ليست طبيعية بالكامل، بل يتم تصنيعها أيضا على مستوى التمثلات الاجتماعية، خاصة من خلال الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي تلعب دورا بارزا في تكثيف الصور المرتبطة بالفيضانات والكوارث الطبيعية، وعندما تتكثف هذه الصور، فإنها تخلق في الوعي الجمعي ارتباطا دائما بين المطر والتهديد”.
وختم زكرياء أكضيض تصريحه بالقول إن “ما ينشر ويُشارك في الحقل الرقمي يساهم في تشكيل هذه التمثلات وتحول النظر إلى المطر من كونه مصدر خير إلى كونه مصدر تهديد”، مؤكدا ضرورة “الانتباه إلى تأثير الإعلام الرقمي على تصور المجتمع للمخاطر الطبيعية”.
مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي رئيس شعبة علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إن “السؤال حول ما إذا كانت نظرة المغاربة إلى الأمطار قد تغيرت بعد الفيضانات الأخيرة يظل مطروحا”، غير أنه من منظور علم النفس يرى أن “المطر يظل مقدسا عند المغاربة، ولا يمكن لشيء مقدس أن يتحول بين عشية وضحاها إلى شيء فاقد للقيمة أو إلى أمر يتمنى الناس غيابه من الحياة ومن المخيال الاجتماعي”.
وأوضح المتحدث أن “المطر يرتبط في الوعي الجمعي بالحياة ذاتها، فالمطر هو الذي يعطي الحياة، والماء هو الحياة، وغيابه مصدر للقلق والخوف لأنه يمثل الموت، أي موت الطبيعة والإنسان وكل شيء”، مضيفا أن “هذه المكانة الراسخة في المخيال الاجتماعي المشترك لا يمكن أن تنقلب بسبب كوارث ظرفية، خصوصا مع استحضار تاريخ الجفاف وما خلفه من مآسٍ أشد وطأة على المجتمع المغربي، كما تحكيه روايات الآباء والأجداد عن أربعينات القرن الماضي، حيث تسببت موجات الجفاف في الهجرة والتدهور الاقتصادي وموت الآلاف”.
وأشار السعليتي، في تصريح لهسبريس، إلى أن “الخوف الذي قد يتولد نتيجة الأضرار المادية والبشرية التي خلفتها الفيضانات يظل شعورا طبيعيا يمكن أن يتلاشى مع عودة الحياة إلى مجراها العادي”، قائلا: “لا يمكن أن نغير موقفنا وحبنا وانتظارنا للمطر لأنه رمز للأمان والسعادة والحياة والازدهار”، مبرزا أن “التكيف مع هذه الأحداث وتعويض الخسائر يبقى ممكنا دون أن يمس ذلك التمثلات العميقة للمغاربة تجاه المطر”.
كما شدد أستاذ علم النفس الاجتماعي على أن “القيم الدينية الراسخة في المجتمع المغربي تعزز هذه النظرة؛ إذ يرتبط المطر بالرحمة الإلهية والعطاء، ويستحضر الناس في حديثهم عنه عبارات من قبيل ‘يا ربي السلامة’ و’الله يعطيها على قد النفع’، في تعبير عن الرغبة في شتاء نافع دون أضرار، رغم وجود تفسيرات علمية تقدمها مؤسسات الأرصاد الجوية للكوارث الطبيعية”.
وفي سياق المقارنة، اعتبر المتحدث أن “ما يسببه الجفاف من تدهور في الحياة المعيشية والقدرة الشرائية وحرمان بعض الأسر من إقامة شعائر دينية في فترات معينة، يجعل أضرار المطر أقل خطورة من آثار الجفاف الممتدة وما يرافقها من فقر ومرض وآثار اجتماعية عميقة”.
وختم السعليتي تصريحه بالتأكيد على أن “ما وقع يشكل درسا مهما للدولة وللمجتمع من حيث ضرورة ترسيخ ثقافة وقائية من الكوارث الطبيعية، والاستعداد لها، وإعادة النظر في البنية التحتية”، مبرزا أن “المشكلة ليست في المطر في حد ذاته، بل في كونه يصطدم أحيانا ببنية تحتية هشة لا تستطيع مقاومة هذه الكوارث”.
المصدر:
هسبريس