على بُعد أسابيع قليلة من دخوله حيّز الخدمة، يقترب مشروع تحلية مياه البحر بالداخلة من بلوغ محطته الحاسمة، باعتباره أحد أضخم الأوراش المهيكلة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وركيزة مركزية في مواجهة الإجهاد المائي ودعم التحول الفلاحي المستدام بالمنطقة.
ووفق الإفادات التي حصل عليها موقع “لكم”، فإن المشروع، الذي بلغت نسبة إنجازه حوالي 90 %، يرتقب تسليمه خلال شهر أبريل 2026، في سياق وطني يتسم بتعاظم الرهانات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي.
وفي هذا الإطار، جرى مؤخرا إسناد صفقة المساعدة التقنية الخاصة بالشطر الفلاحي للمشروع إلى مكتب Hydro Advisor بقيمة مالية ناهزت 13,368 مليون درهم، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها السلطات العمومية لحكامة التنفيذ وضمان نجاعة الاستغلال. وتندرج هذه الصفقة تحت إشراف مديرية الري وتهيئة المجال الفلاحي التابعة لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.
حكامة تقنية لمشروع معقّد
وتشمل مهمة المساعدة التقنية مراقبة الأشغال، وتتبع الاستغلال، والتدبير الإداري والمالي والقانوني لمشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، الذي يجمع بين تحلية مياه البحر، وإنتاج الطاقة الريحية، وإقامة شبكة عصرية للري. ويُعوَّل على هذا التأطير التقني في ضمان احترام المعايير التقنية والبيئية، وتأمين الاستدامة التشغيلية للمركب.
ويرتكز المشروع على ثلاثة أعمدة أساسية: وحدة لتحلية مياه البحر، وحظيرة ريحية لتأمين التزود بالطاقة النظيفة، ونظام متطور لتوزيع المياه الموجهة للري والشرب. هذا التكامل يعكس توجها استراتيجيا نحو تقليص كلفة الإنتاج، وتعزيز الاعتماد على الطاقات المتجددة، والحد من البصمة البيئية.
أرقام تعكس حجم الرهان
وتناهز طاقة المشروع الإنتاجية 37 مليون متر مكعب سنويا، وهو ما سيمكّن محطة التحلية من تزويد حوالي 5.000 هكتار من الضيعات الفلاحية، خاصة الزراعات المغطاة والضيعات النموذجية، بما يقارب 30 مليون متر مكعب سنويا، فيما سيُخصَّص حوالي 7 ملايين متر مكعب لتأمين حاجيات مدينة الداخلة والمراكز المجاورة من الماء الصالح للشرب.
وتبلغ الكلفة الإجمالية للاستثمارات المرصودة للمشروع حوالي 2,42 مليار درهم، منها قرابة 1,98 مليار درهم موجهة للبنيات التحتية المرتبطة بالطاقة والماء. كما يُرتقب أن يسهم المشروع في إنتاج أزيد من 415 ألف طن من الخضروات المبكرة، وخلق ما يقارب 10.000 منصب شغل دائم، ما يمنحه بعدا اقتصاديا واجتماعيا بالغ الأهمية.
رافعة للتنمية الجهوية
ويُعد المشروع أحد الأعمدة التنفيذية الاستراتيجية لمشروع “الجيل الأخضر”، كما يندرج ضمن تفعيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بجهة الداخلة وادي الذهب. ويستهدف، على وجه الخصوص، تشجيع ولوج الشباب والمستثمرين المحليين، لاسيما بجماعة بئر أنزران، إلى الاستثمار الفلاحي المهيكل.
ويأتي هذا التوجه في سياق هشاشة مائية متزايدة، بفعل الضغط المتنامي على الفرشات الجوفية وتنامي ملوحتها، ما جعل خيار تحلية مياه البحر حلاّ استراتيجيا لا محيد عنه لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي والفلاحي بالمنطقة.
شراكة عمومية خاصة بنَفَس استراتيجي
من الناحية المؤسساتية، يقوم المشروع على نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص، وفق مقتضيات القانون 86-12، مع إسناد مهام التمويل والتصميم والبناء والتدبير لمتعاملين خواص. ويؤطر المشروع عقدان رئيسيان: الأول يهم إنتاج الطاقة الريحية والمياه المُحلاة، والثاني يخص نظام الري.
أما من حيث البنية التقنية، فيضم المشروع مأخذا بحريا، ومحطة تحلية بطاقة سنوية تناهز 37 مليون متر مكعب، وحظيرة ريحية بقدرة تصل إلى 60 ميغاواط، إضافة إلى شبكة جر وتوزيع للمياه تمتد على طول يقارب 115 كيلومترا.
المصدر:
لكم