في عمل غنائي جديد يزاوج بين الحس الموسيقي العميق والاشتغال البصري الرصين، تطل الفنانة المغربية سارة مولابلاد على جمهورها بأغنية “توحشتك”، التي تجمعها بالممثل أيوب گريطع، في تجربة فنية تستكشف تيمة الفقد والشوق من زاوية هادئة وحميمة، وتضع مدينة الدار البيضاء في قلب السرد بوصفها ذاكرة حية وحاضنة للمشاعر المتناقضة.
وحسب معطيات توصلت بها هسبريس، فإن “توحشتك” ليست مجرد إصدار منفرد؛ بل تشكل أولى محطات مشروع مرتقب يتكون من ثلاث أغان، تؤسس من خلاله سارة مولابلاد لمسار موسيقي وبصري متكامل، يتقاطع فيه الصوت مع الصورة، والذاكرة مع الغياب، والتجوال الليلي مع التأمل الداخلي؛ وهو مشروع فني يراهن على البناء الهادئ والمتماسك، حيث تكمل كل قطعة أخرى، في انسجام يعبر عن رغبة الفنانة في تشييد عالمها الخاص دون ضجيج أو استعراض.
الأغنية، التي كتبت كلماتها ولحنتها سارة بنفسها، تنبثق من صمت الليل ووحدته، وتحمل شحنة عاطفية متزنة بعيدة عن الميلودراما أو الانفعال الفج.
ويفرض عنوان الأغنية حضوره ببساطته المباشرة، إذ يعني حرفيا “اشتقت إليك”، دون محاولة للتفسير أو التبرير، في جملة قصيرة، خامة في اعترافها، تختصر حالة وجدانية كاملة.
على المستوى البصري، يواصل فيديو كليب الأغنية هذا الاشتغال الدقيق على معنى الغياب والفقد، من خلال قراءة سينمائية للذاكرة وهشاشتها.
الكليب، الذي أخرجه رضا لحمويد، يقوم على فكرة أن الذكريات تكون غالبا غير مكتملة أو مضطربة؛ وهو ما انعكس في تفاصيل الإخراج، من اختلافات الديكور والأزياء إلى إيقاع المونتاج الذي يحاكي ارتباك الحالة الشعورية للشخصية الرئيسية.
وتحتل الدار البيضاء مكانة مركزية في العمل، ليس كخلفية صامتة؛ بل كشخصية قائمة بذاتها، ويصفها المخرج بـ”دربيدا”، مؤكدا ارتباطه الشخصي العميق بالأماكن التي تظهر في الكليب، ومبرزا أن هذا العمل يشكل رسالة حب إلى المدينة وإلى الذكريات التي عاشها فيها. وهكذا، تتحول شوارع البيضاء ولياليها إلى ذاكرة حية، تعبرها المسارات والغيابات والارتدادات، وتحتضن صمت الشوق وحنينه.
الشخصية الذكورية في الكليب يجسدها الممثل أيوب گريطع، وتحضر بدورها ككائن ملتبس بين الوجود والغياب في تجسيد دقيق لالتباس الذاكرة العاطفية، حيث يتداخل الواقع مع الإسقاط الذهني وتضيع الحدود بين الحقيقة والخيال.
ويضفي حضور أيوب گريطع على العمل عمقا خاصا، بالنظر إلى مساره الفني اللافت؛ فهذا الممثل، خريج المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، راكم حضورا وازنا في التلفزيون والسينما المغربية، وعرفه الجمهور الواسع من خلال أعمال من قبيل “المكتوب” و”الدم المشروك”. كما قدم، مؤخرا، أداء حاز على إشادة نقدية في فيلم “البحر البعيد” للمخرج سعيد حميش؛ وهو الدور الذي أدخله، عام 2025، قائمة اكتشافات جوائز “السيزار”، مانحا الكليب كثافة داخلية وهشاشة إنسانية لافتة.
وحسب المعطيات ذاتها، فقد قام التعاون بين سارة مولابلاد والمخرج رضا لحمويد على عمل دقيق في كتابة الشخصيات وبناء تاريخها وعلاقتها الحميمة، بهدف تقديم علاقة صادقة على الشاشة، تتجنب المباشرة وتراهن على الإيحاء، وتترك للمشاهد هامش التأويل والتماهي.
المصدر:
هسبريس