تجاوزت الفيضانات والسيول الأخيرة التي اجتاحت عدة أقاليم بالنصف الشمالي للمملكة كونَها مجرد “حادثة مناخية عابرة”، لتتحوّل إلى لحظة وطنية فارقة تُعيد مساءلة أدوار الجميع،أفراداً ومؤسسات، في تدبير الأزمات، ولا سيما تلك الناجمة عن “آفات” أو “كوارث طبيعية”.
وفي قلب هذا النقاش يبرز الفصل 40 من “دستور 2011” كمرجعية قانونية وأخلاقية تنقل “التضامن” من سياقه التبرعي الاختياري إلى أفق “الواجب الدستوري الملزِم”، وفق النص الصريح: “على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”.
وإثر ما شهدته “سهول الغرب” وأقاليمه الممتدة من فيضانات وسيول بحمولات استثنائية يرى فاعلون في الشأن القانوني والمدني، استقت هسبريس آراءهم، أن “اللحظة ترتقي إلى حالة اقتضاء تعبئة جماعية ومنسقة”، تضمن “التضامن في تحمل الأعباء”، مثيرينَ “استعجالية ذلك” أثناء الكارثة وليس بعدَها.
يؤصّل أستاذ القانون بجامعة مولاي إسماعيل رضوان الطريبق للمسؤولية الجماعية من خلال الفصل 40 من الدستور المغربي، الذي يضعه في سياق فلسفي “يوازن بين الحقوق والواجبات”، ويرى أن ورود هذا الفصل في نهاية باب الحريات والحقوق الأساسية يمثل “خطاباً دستورياً صريحاً مفاده أن ممارسة الحريات تكون في الظروف العادية، أما في الأزمات الاستثنائية فإن لكل استثناء معاملة خاصة تفرضها طبيعة اللحظة وشدّتها”.
وعند تفكيكه النص الدستوري شدد الطريبق، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن مصطلح “الجميع” لا يقتصر على الأفراد، بل هو “مفهوم شامل يضم السلطات العمومية، المؤسسات الدستورية، الأحزاب، النقابات، والقطاعات الخاصة والخدماتية، وصولاً إلى الأفراد مهما كانت جنسيتهم أو وضعهم القانوني فوق التراب الوطني؛ فكل هذه المكونات مخاطَبةٌ بشكل مباشر وملزمة بالانخراط في تدبير الأعباء الناتجة عن الأزمات”.
أما عن طبيعة هذا الالتزام فيوضح المتحدث أن عبارة “أن يتحمّل” تخرج التضامن من دائرة التطوع الاختياري إلى دائرة القاعدة القانونية الآمرة وواجبة النفاذ، وتابع: “التضامن هنا هو مسؤولية مشتركة تتجاوز مفهوم التبرع البسيط لتصبح عقداً اجتماعياً يفرض على الجميع مؤازرة بعضهم البعض دون انتظار مقابل، خاصة في ظل الأزمات التي تهدد السلم والاستقرار”.
ويربط الأكاديمي نفسه نجاعة هذا التضامن بـ”مبدأ التناسب”، مؤكداً أن المساهمة يجب أن تراعى فيها القدرة وحجم الوسائل المتاحة لكل جهة؛ فالمؤسسات المالية والشركات الكبرى مطالبة بمساهمات توازي ثقلها الاقتصادي، سواء عبر تسهيلات بنكية استثنائية أو خفض أسعار السلع الحيوية، بينما يظل الأفراد الأقل دخلاً مستفيدين لا ملزمين، ما يضمن عدالة توزيع الأعباء.
وإجمالًا حدد الطريبق معايير الآفة أو الكارثة المقصودة في منطوق النص الدستوري، مفرقاً بين الأحداث العادية والأزمات الكبرى التي ينتج عنها اضطراب واسع وخسائر مادية وبشرية فادحة؛ فهذه الأحداث “غير المألوفة” هي التي تستوجب تفعيل الآليات الدستورية الاستثنائية لضمان استمرار المرافق الحيوية وحماية الملك العام والخاص من الانهيار.
من منظور مدني-اجتماعي صِرف ترصد إلهام بلفحيلي، فاعلة مدنية مهتمة بالوقائع الكارثية رئيسة جمعية “إنماء للتضامن والتنمية المستدامة”، أنّ “رؤية مزدوجة للتضامن تجمع بين البعد القيمي المتجذر في الهوية المغربية وبين المرجع القانوني الذي يمثله الفصل 40 من الدستور”.
وقالت بلفحيلي، مصرحة لجريدة هسبريس، إن “التضامن ليس مجرد نص قانوني يُفعّل عند الحاجة، بل هو سلوك مجتمعي تلقائي يظهر في كل كارثة (زلزال أو فيضانات)، ويتحول إلى إلزام دستوري يفرض التحمل المشترك للأعباء بين الدولة والمواطنين”.
وتستحضر الفاعلة المدنية ذاتها الذاكرة الوطنية في تدبير الأزمات، مشيرة إلى أن التضامن الوطني كان دائماً هو المفتاح، كما حدث في “زلزال الحسيمة 2004” و”زلزال أكادير 1960″، قبل أن تلفت الانتباه إلى راهنية “التطور التشريعي المتمثل في قانون الوقائع الكارثية ونظام التأمين المرتبط به، الذي يهدف إلى مأسسة التعويضات وضمان مشاركة الجميع عبر أقساط التأمين المخصصة لمواجهة هذه المخاطر”.
بيد أن المتحدثة توجه انتقاداً صريحاً لـما وصفته بـ”البطء المسطري في تفعيل القوانين”، مؤكدة أن “انتظار انتهاء الكارثة لبدء إجراءات التسجيل والتعويض لا ينسجم مع المنطق الاستعجالي؛ فالمتضرر اليوم يحتاج إلى تدخل فوري يحميه من تداعيات الأزمة، ما يستوجب تبسيط المساطر القانونية لتكون أكثر مرونة واستجابة للواقع الميداني الصعب”، في تقديرها.
ودعت بلفحيلي إلى “تعبئة وطنية شاملة لا تستثني أي قطاع”، مشددة على “ضرورة انخراط كافة الوزارات والقطاعات الخدماتية والمجتمع المدني في دعم المناطق المنكوبة”، خاصة بالذكر منتجعات ومخيمات تابعة لوزارة الشباب والثقافة والاتصال، فضلا عن مؤسسات الأعمال الاجتماعية التابعة لعدد من مصالح الوزارات ومؤسسات عمومية؛ وفي تقديرها فـ”الأولوية القصوى يجب أن تُعطى لحماية الأرواح والأنفس”، متجاوزةً أي نقاش حول أعطاب البنية التحتية في اللحظة الراهنة، لتركز الجهود على العلاج والإنقاذ كواجب وطني لا يقبل التأجيل.
وفي ختام تصريحها تلفت رئيسة جمعية إنماء للتضامن والتنمية المستدامة إلى “أهمية محنة الفيضانات في التعجيل بتنفيذ التوجيهات الملكية المتعلقة بإنشاء المخزونات الإستراتيجية الجهوية لمواجهة الكوارث؛ فوجود مخزون إستراتيجي محلي (غذاء، سكن، دواء..) في كل جهة هو الضمانة الحقيقية للتدخل السريع والفعال، إذ يُغني الساكنة عن انتظار المساعدات البعيدة، ما يعزز من مرونة الدولة في مواجهة الأزمات المستقبلية”.
المصدر:
هسبريس