أعادت الفيضانات التي تشهدها مدن مغربية النقاش حول كيفية تدبير السدود والتكيف مع الظواهر المناخية القصوى، في ظل تساقطات مطرية استثنائية وتسجيل نسب ملء قياسية بعدد من السدود الوطنية.
وتعيش ساكنة مدينة القصر الكبير، منذ أيام، فيضانات تعد الأسوأ في تاريخ المدينة جراء ارتفاع مستويات ملء سد وادي المخازن إلى درجات قياسية، ناهيك عن فيضانات إقليم سيدي قاسم جراء ارتفاع منسوب مياه واد سبو نتيجة تنفيس جزئي لسد الوحدة، مدفوعة بتساقطات استثنائية.
وفي هذا السياق، أوضح مصطفى العيسات، خبير في البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، أن ما عرفته القصر الكبير يرتبط أساسا بعوامل طبيعية متداخلة، أبرزها توالي التساقطات المطرية منذ شهر دجنبر، ما أدى إلى تشبع التربة بالمياه، خاصة في حوض سبو الذي تتميز تربته بطابع طيني يمنع امتصاص المياه بسهولة، ويجعلها تطفو فوق السطح.
وأضاف العيسات، ضمن تصريح لهسبريس، أن وصول السدود إلى مستويات ملء قياسية، بالتزامن مع توقع استمرار الأمطار، فرض اللجوء إلى عمليات التفريغ الوقائي لحماية المنشآت المائية، غير أن تزامن هذه العمليات مع ذروة التساقطات ساهم في ارتفاع منسوب واد سبو وغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الواقعة بالمناطق المنخفضة.
وأكد الخبير البيئي والمناخي أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات جوهرية حول وتيرة إنجاز السدود المبرمجة، خصوصا تلك التي دعا إليها الملك في خطاب العرش الأخير، والمتعلقة بتسريع بناء السدود الكبرى والمتوسطة والتلية في مناطق الوفرة المائية بالشمال، مشيرا إلى أن إنجاز أزيد من 6 أو 7 سدود كبرى وعشرات السدود المتوسطة كان من شأنه التخفيف من حدة الفيضانات واستيعاب كميات مهمة من المياه لاستعمالها في سنوات الجفاف.
كما شدد العيسات على أهمية مشاريع الربط بين الأحواض المائية، معتبرا أن الربط بين حوض سبو وحوض أم الربيع، أو سبو وتانسيفت، كان سيشكل قفزة نوعية في الأمن المائي الوطني، بل وربما يغني جزئيا عن بعض مشاريع تحلية مياه البحر، عبر نقل فائض المياه من مناطق الوفرة إلى الأحواض التي لا تتجاوز نسب ملئها 40%.
من جهته، أوضح علي شرود، خبير مناخي، أن السدود، سواء الطبيعية أو الاصطناعية، تُبنى أساسا لتأمين مخزون استراتيجي من المياه والتحكم في تدفقها خلال فترات الجفاف والفيضانات. وأكد أن السدود الكبرى بالمغرب تخضع لمراقبة تقنية يومية دقيقة من طرف مهندسين مختصين، وأن عمليات التفريغ تتم وفق معايير سلامة صارمة.
غير أن شرود شدد، ضمن تصريح لهسبريس، على أن الرهان الحقيقي يكمن في تسريع إنجاز السدود المتوسطة والصغرى والتلية، باعتبارها تلعب دورا محوريا في حجز المياه على مستوى الروافد قبل وصولها إلى الأودية الكبرى، ما يخفف الضغط على السدود الرئيسية ويقلل من مخاطر الفيضانات المفاجئة.
وأضاف أن برنامج تعبئة المياه السطحية (2000–2027) يظل إطارا مرجعيا مهما، لكنه يتطلب تسريع وتيرة التنفيذ، إلى جانب تعزيز سياسة ربط الأحواض المائية وإنشاء سدود احتياطية قرب المدن الكبرى لضمان التزود بالماء في حالات الطوارئ.
ويجمع الخبيران على أن الفيضانات التي تعرفها القصر الكبير، رغم طابعها الاستثنائي، تؤكد ضرورة تكييف السياسات العمومية والبنيات التحتية مع التحولات المناخية المتسارعة، خاصة داخل المدن الصغرى والمناطق الهشة، مع تعميم التجارب الناجحة في تصريف المياه التي أبانت عنها مدن كبرى مثل الرباط وطنجة.
المصدر:
هسبريس