أكدت دراسة حديثة منشورة ضمن العدد الأخير من مجلة العلوم الاجتماعية، الصادرة عن المركز الديمقراطي العربي، تحت عنوان “تشكل الهوية بين الفضاء الاجتماعي والفضاء الرقمي: حالة قاطني الأحياء الهامشية بالمغرب”، أن “الفضاءات الرقمية أصبحت منصات بديلة ومؤثرة في تشكيل الهويات الفردية والجماعية، خاصة بالنسبة للفئات المهمشة في الفضاء الحضري. ومن بين هذه الفئات تبرز فئة قاطني الأحياء الهامشية، الذين غالبا ما يُنظر إليهم من زاوية الإقصاء الاجتماعي والتهميش المجالي والتخلف العمراني”.
وأوضحت الدراسة ذاتها، التي أعدها الباحث في علم الاجتماع محمد شاكي، أن “تشكل الهوية الحضرية لدى قاطني الأحياء الهامشية داخل الفضاءات الرقمية يرتبط بشكل وثيق بالفعل الاحتجاجي للسكان، باعتباره تعبيرا عن الوعي بالانتماء إلى المجال الحضري ورفضا لآليات الإقصاء المجالي والاجتماعي التي تطبع تجربة العيش في الهوامش. فغياب العدالة المجالية يمثل الإطار البنيوي الذي يدفع هذه الفئات الاجتماعية إلى تبني أشكال متعددة من الاحتجاج، تجسد مطلب الكرامة وتسعى إلى إعادة التموقع داخل المدينة”.
وذكرت الوثيقة ذاتها أن “هذه الأفعال الاحتجاجية لا يمكن اختزالها في مجرد رد فعل آني على التهميش؛ إذ تعبر في حقيقتها عن قدرة الفاعلين الاجتماعيين على التنظيم والتعبئة واستثمار الفضاء الرقمي كوسيط لإنتاج خطاب احتجاجي جديد”، مضيفة أن “هذا الخطاب الرقمي يعكس دينامية مجتمعية متنامية تسعى إلى تحويل العالم الافتراضي إلى امتداد للفضاء الحضري، بما يتيح للسكان إعادة بناء تمثلاتهم عن المدينة وتأكيد مطالبهم الأساسية، وعلى رأسها الحق في السكن اللائق والاندماج الاجتماعي”.
ولفتت إلى أن “وضع الحي الهامشي ‘دوار الوردة’ بمقاطعة سيدي البرنوصي يعد مثالا دالا على هذا التحول؛ إذ نجح السكان في توظيف شبكاتهم الرقمية لتطوير موارد سياسية وأخلاقية مكنتهم من التأثير في توجهات السياسات العمومية المتعلقة بالسكن والتعمير في مدينة الدار البيضاء. وقد استند هذا التأثير إلى خطاب يزاوج بين أقدمية الحي وموقعه المركزي وسط المدينة باعتبارهما عنصرين مؤسسين للشرعية الحضرية”.
وزادت الدراسة أن “الهوية المهنية والبنية التحتية المتوفرة في الحي ساهمت في ترسيخ إحساس جماعي بالتميز، وبناء مسافة مجالية تفصله عن باقي الأحياء الهامشية المتواجدة بالمدينة، ما جعل من الفضاء الرقمي أداء حاسما في إعادة تشكيل الهوية الحضرية وإعادة توزيع رمزية الانتماء داخل المدينة المغربية”.
وأشارت إلى أن “النظرة إلى قاطني الأحياء الهامشية تتعرض اليوم لإعادة تشكيل بفعل استخدام سكان هذه الأحياء للوسائط الرقمية كوسيلة للتعبير وإعادة بناء سردياتهم الذاتية، وتأكيد انتمائهم الحضري بطريقة رمزية قد تعوض غيابهم المادي أو التمثيلي في المجال الحضري”.
وأردفت أن “الفضاء الهامشي أصبح، من خلال تفاعل ساكنيه في الفضاءات الرقمية، مجالا لإعادة تعريف الذات الجماعية، حيث يتم تحويل الهشاشة إلى عنصر تعبئة وشرعية في مواجهة السياسات العمومية. فبعض السكان رفضوا الانخراط في برامج إعادة الإيواء الرسمية، معتبرين أن الانتقال إلى المشاريع السكنية الجديدة يهدد توازنهم الاجتماعي ورأسمالهم الرمزي المتجذر في الحي. من هنا، برزت استراتيجيات احتجاج رقمية وميدانية تعبر عن إرادة جماعية في مقاومة الفعل المؤسساتي، وعن سعي لبناء علاقة جديدة بالمدينة”.
وذكر المصدر ذاته أن “الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء بالمغرب، خاصة أحداث 16 ماي 2003، شكلت هاجسا آنيا وعاملا مساهما في تبني سياسة حضرية جديدة للقضاء على الأحياء الصفيحية، وهي مرحلة جديدة بدأت تظهر فيها الأحياء الهامشية كتجمعات سكنية منتجة للتطرف والإرهاب بفعل تنفيذ مجموعة من الشباب الذين يقطنون في بعض الأحياء الصفيحية لعمليات إرهابية. لذلك عملت الدولة المغربية، من خلال كل ما يتعلق بقطاع السكنى والتعمير وسياسة المدينة، على تبني البرنامج المعروف بـ’مدن بدون صفيح'”.
المصدر:
هسبريس