جدّد خوسيه مانويل ألباريس، وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسباني، في حوار طويل مع صحيفة “لافانغوارديا”، التأكيد على ثبات موقف بلاده بخصوص المغرب وقضيته الوطنية الأولى المتعلقة بالسيادة على الأقاليم الجنوبية.
وشدد ألباريس على أن المقاربة الإسبانية تستند إلى الشرعية الدولية، وإلى المسار الأممي الرامي إلى التوصل إلى حل سياسي دائم للنزاع.
وفي هذا الصدد، قال وزير الشؤون الخارجية الإسباني إن قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كرست شرعية ومشروعية الموقف الإسباني بخصوص المغرب وقضية الصحراء، مبرزا أن “هذا التوجه يندرج في إطار احترام الشرعية الدولية والمسار الأممي المعتمد منذ سنوات لإيجاد حل سياسي نهائي للنزاع”.
وأوضح الدبلوماسي ذاته أن الموقف الإسباني حظي، خلال الأسبوع الماضي، بتأكيد أوروبي إضافي من خلال مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب؛ ما يعكس انسجام رؤية مدريد مع المقاربة الأوروبية الداعمة للاستقرار والتعاون الإقليمي، في ظل شراكة استراتيجية متقدمة تجمع الرباط وبروكسيل.
وشدد ألباريس على أن ملف الصحراء لا يزال حصريا تحت إشراف الأمم المتحدة، مذكرا بتعيين مبعوث شخصي للأمين العام يتولى اقتراح الخطوات المقبلة، في إطار العملية السياسية الجارية، بما يضمن حلا متوافقا عليه ويحظى بدعم المجتمع الدولي.
وفي السياق ذاته، أبرز وزير الخارجية الإسباني أن مقترح الحكم الذاتي الذي تضمنته قرارات مجلس الأمن حظي بإجماع داخل المجلس، دون تسجيل أي تصويت معارض؛ بما في ذلك من لدن الدول الأوروبية الأعضاء، داعيا إلى تسريع وتيرة الجهود الأممية لإيجاد حل نهائي للنزاع، ومؤكدا رفض إطالة أمده لأكثر من خمسين سنة لما لذلك من انعكاسات سلبية على الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وفي هذا الصدد، قال سعيد بوفريوى، أستاذ باحث في القانون العام، إن المعطيات التي كشف عنها الحوار الذي أجرته صحيفة “لافانغوارديا” الإسبانية مع خوسيه مانويل ألباريس تندرج في سياق دبلوماسي دقيق تطبعه تحولات إقليمية ودولية متسارعة، لافتا إلى أن “توقيت هذا الحوار ليس معزولا عن المستجدات الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء المغربية”.
وأبرز بوفريوى، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن صدور قرار مجلس الأمن الأممي رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025 شكل محطة مفصلية أعادت تثبيت الإطار الأممي للحل، وكرّست في الآن ذاته انسجام الموقفين الإسباني والأوروبي مع مقترح الحكم الذاتي باعتباره أرضية جدية وواقعية للتسوية.
وأضاف الباحث في القانون العام أن تأكيد ألباريس على مشروعية الموقف الإسباني يعكس تحولا واضحا في مقاربة مدريد لهذا النزاع، خاصة بعد مصادقة مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، الذي يضم كافة الدول الأوروبية، على التوجه نفسه، معتبرا ذلك مكسبا دبلوماسيا جديدا ينضاف إلى سلسلة الدعم الدولي المتنامي للموقف المغربي.
وفي السياق ذاته، سجل رئيس شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة أن الاهتمام المتزايد للصحافة الإسبانية بملف الصحراء المغربية يجسد إرادة سياسية لدى الحكومة الإسبانية الحالية للدفع نحو حسم هذا النزاع أو على الأقل إطلاق مفاوضات جادة على ضوء مخرجات القرار الأممي الأخير، في ظل شبه إجماع دولي على ضرورة إنهاء معاناة اللاجئين الصحراويين بمخيمات تندوف وفي الشتات.
واستدرك المحلل عينه أن طبيعة الأسئلة المطروحة على وزير الخارجية الإسباني تكشف عن مركزية قضية الصحراء ضمن الأولويات الجيو-استراتيجية، ليس فقط على المستوى الإسباني أو الأوروبي؛ بل أيضا على الصعيد الدولي.
وخلص سعيد بوفريوى إلى أن هذا الزخم السياسي والدبلوماسي غير المسبوق، المدعوم بإجماع أوروبي وأمريكي واضح، يفتح آفاقا حقيقية أمام تسوية نهائية للنزاع ويعزز موقع المغرب كفاعل أساسي في ترسيخ الاستقرار الإقليمي وبناء شراكات قائمة على الواقعية والشرعية الدولية.
من جهته، قال الفاعل السياسي دداي بيبوط إن تأكيد وزارة الخارجية الإسبانية دعم مدريد لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية سنة 2007 جاء في سياق إقليمي ودولي دقيق، أعقب صدور البيان المشترك بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، والذي أعلن بشكل صريح الدعم الأوروبي لهذا المقترح باعتباره حلا نهائيا لنزاع الصحراء المغربية المفتعل، كما عبّر عنه وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس في حواره مع صحيفة “لابانغوارديا”.
وأوضح بيبوط، ضمن إفادة لهسبريس، أن “هذا الموقف يمثل امتدادا لتناغم السياسة الخارجية الإسبانية مع التحول الذي عرفته علاقاتها مع المغرب منذ مارس 2022، عندما عبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في رسالة إلى جلالة الملك محمد السادس، عن دعم بلاده للموقف المغربي؛ وهو النهج الذي جرى التأكيد عليه مرارا خلال سنة 2025 ومطلع 2026”.
وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن تشديد ألباريس، في مقابلته الأخيرة، على ضرورة عدم ترك النزاع يراوح مكانه لخمسين سنة أخرى، يعكس قناعة راسخة لدى صناع القرار في إسبانيا بضرورة القطع مع الجمود، مشيرا إلى أن “مدريد أكدت بشكل واضح أنه لم يطرأ أي تغيير على موقفها؛ بل هناك عزم على عدم السماح لنزاع عمره نصف قرن بأن يستمر إلى ما لا نهاية، مع توصيف المغرب كشريك استراتيجي حيوي للاستقرار الإقليمي ولمكافحة الإرهاب وتدبير قضايا الهجرة”.
واسترسل المحلل السياسي في القول إن الموقف المعبر عنه من لدن وزير الخارجية الإسباني يندرج ضمن سياق إجماع أوروبي متزايد على التخلي عن سياسة الحياد غير الموضوعي إزاء شرعية بسط سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مؤكدا أن “هذا التوجه ينسجم تماما مع مخرجات اجتماع مجلس الشراكة التاريخي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، المنعقد ببروكسل في 29 يناير 2026، والذي شكل نقطة تحول حاسمة في السياسة الأوروبية تجاه ملف الصحراء المغربية”.
كما استحضر المصرح لهسبريس أن اتفاق الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي على اعتبار الحكم الذاتي أكثر الحلول جدوى للتسوية النهائية للنزاع الإقليمي يعكس إدراكا جماعيا لأهمية الاستقرار والتنمية في المنطقة، ويؤشر على مرحلة جديدة في التعاطي الأوروبي مع هذا الملف تقوم على الواقعية والشرعية الدولية.
ونبه المهتم بخبايا النزاع إلى أن وصف ألباريس للمغرب بالحليف الذي لا غنى عنه للاتحاد الأوروبي في مواجهة التحديات المشتركة وإقراره باعتراف جميع الدول الأعضاء بأهمية المملكة للاستقرار والتنمية الإقليميين يدل على رغبة إسبانية واضحة في تطبيع العلاقات الثنائية وبناء مسار متقدم للدفاع المشترك عن المصالح العليا للبلدين والارتقاء بالشراكة إلى مستويات أوسع من التعاون.
وأنهى دداي بيبوط حديثه بالتأكيد على أن استمرار إسبانيا في دعم مقترح الحكم الذاتي يندرج في إطار حماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز علاقاتها الثنائية في عالم متقلب، مشددا على أن هذا “التقارب المغربي الإسباني يخلق زخما قويا للموقف الأوروبي، ويشكل تنزيلا سليما لقرار مجلس الأمن رقم 2797؛ من خلال الدفع نحو مسار تفاوضي جديد قائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بما يعزز الشرعية الدولية، ويدعم الاستقرار والتنمية في شمال إفريقيا، في ظل تزايد الاعتراف الدولي والضغط على الأطراف المناهضة للتوصل إلى حل نهائي للنزاع”.
المصدر:
هسبريس