لطالما ارتبطت صورة المدن الكبرى (الميغالوبوليس) بتعقيدات التسيير اليومي، حيث تتشابك الكثافة السكانية مع الأنشطة الاقتصادية لِتُنتج تحديا لوجستيا وبيئيا هائلا يُعرف بـ “تدبير النفايات”.
وفي السياق المغربي، شكلت الدار البيضاء لسنوات طويلة نموذجا لهذا التحدي؛ إذ عانت العاصمة الاقتصادية، بقلبها النابض وملايين قاطنيها، من أزمات نظافة دورية ألقت بظلالها على المشهد الحضري وجودة الحياة.
لكن، المتفحص لواقع المدينة اليوم يدرك أن ثمة شيئا قد تغير. tلم تعد أكوام النفايات مشهدا اعتياديا في الشوارع الرئيسية، وتراجعت حدة الروائح التي كانت تزكم الأنوف في بعض الأحياء.
هذا التحسن الملحوظ ليس وليد الصدفة، ولا نتيجة لحملة عابرة، بل هو نتاج “هندسة جديدة” لقطاع النظافة، اعتمدت القطيعة مع الماضي والانتقال إلى مرحلة الحكامة الذكية.
في هذا المقال، نغوص في عمق هذا التحول، لنفهم كيف انتقلت الدار البيضاء من “إدارة الأزمة” إلى “صناعة النظافة”، عبر محاور الاستباقية، والرقمنة، والأثر المباشر على المواطن.
الانتقال من “رد الفعل” إلى “الاستباق”
لفهم ما تغير في الدار البيضاء، يجب أولا تشخيص العلة القديمة. لسنوات، كان تدبير النظافة في المدينة يعتمد على آلية “رد الفعل”، حيث كانت الشاحنات تتحرك لجمع النفايات بعد تراكمها، وكانت التدخلات الطارئة تأتي استجابة لشكاوى المواطنين أو لتقارير صحفية ترصد النقاط السوداء. كان النظام يعمل بمنطق “الإطفائي” الذي ينتظر اندلاع الحريق ليتحرك.
ما حدث في السنوات القليلة الماضية، وتحديدا مع العقود الجديدة للتدبير المفوض التي دخلت حيز التنفيذ (تحت إشراف شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للبيئة”)، هو قلب لهذه المعادلة رأسا على عقب عبر تبني استراتيجية “الاستباق”.
التخطيط العلمي للمجال
لم يعد تقسيم المدينة يتم بشكل عشوائي، بل خضع لدراسات ديموغرافية وجغرافية دقيقة. تم تقسيم الدار البيضاء إلى مناطق نفوذ واضحة، مع مراعاة خصوصية كل حي (تجاري، سكني، صناعي).
الأحياء التجارية التي تنتج نفايات “الكرتون” والتغليف تتطلب نوعا مختلفا من الآليات وتوقيتا مغايرا للجمع مقارنة بالأحياء السكنية. هذا الفهم الدقيق لطبيعة “مُنتِج النفايات” سمح بوضع جداول زمنية تسبق تراكم الأزبال.
إدارة المواسم والأزمات
يتجلى التغيير الاستباقي بوضوح خلال المناسبات الكبرى مثل عيد الأضحى أو فصل الصيف. سابقا، كانت المدينة تغرق في المخلفات لأيام بعد العيد. اليوم، يتم وضع خطط استباقية قبل أسابيع، تشمل توزيع أكياس خاصة، وتجهيز “محطات تحويل” مؤقتة، وتجنيد أسطول إضافي. النتيجة أصبحت واضحة؛ تعود المدينة لنظافتها في زمن قياسي لا يتجاوز 24 إلى 48 ساعة بعد المناسبة، وهو إنجاز لوجستي يعكس نضجا تخطيطيا.
الصيانة الوقائية للأسطول
جزء من الاستباقية يكمن في ضمان جاهزية الآليات. في الماضي، كان تعطل الشاحنات سببا رئيسيا في تكدس النفايات. العقود الجديدة فرضت معايير صارمة للصيانة وتجديد الأسطول، مما قلل من فترات التوقف الاضطراري وضمن استمرارية المرفق العام.
التخطيط، المراقبة، والتتبع الرقمي
إذا كانت الاستباقية هي “روح” النظام الجديد، فإن التكنولوجيا هي “عصبه”، إذ لا يمكن إدارة نظافة مدينة بحجم الدار البيضاء، تمتد على مساحات شاسعة وتنتج آلاف الأطنان من النفايات يوميا، بالاعتماد على المراقبة البشرية التقليدية فقط. هنا برز دور التحول الرقمي كعامل حاسم في نجاح التجربة البيضاوية.
نظام التتبع الجغرافي (GPS)
اليوم، كل شاحنة، وكل آلية كنس، وربما حتى بعض الحاويات، هي نقاط بيانات متصلة بمركز قيادة مركزي. إذ لم يعد السائق حرا في تخطي مسار معين أو تجاهل زقاق ضيق.
نظام الـ GPS يتيح للمراقبين في “الدار البيضاء للبيئة” معرفة مسار كل شاحنة بالدقيقة والثانية. إذا توقفت الشاحنة لفترة غير مبررة، أو انحرفت عن مسارها، يصدر النظام تنبيها فوريا، وهو ما ألغى هامش التلاعب وضمن تغطية جغرافية شاملة بنسبة تقارب 100%.
الرقمنة في خدمة المراقبة
انتقل دور المراقب الميداني من استخدام الورقة والقلم إلى الأجهزة اللوحية (Tablets) المتصلة بقواعد بيانات مركزية. عند رصد مخالفة أو نقطة سوداء، يقوم المراقب بتصويرها وإرسالها فورا للنظام، ليتم توجيه أقرب فريق تدخل للمعالجة. هذه “الآنية” في نقل المعلومة قلصت زمن الاستجابة من أيام إلى ساعات وأحيانا دقائق.
حاويات ذكية وبنية تحتية متطورة
شهدت المدينة إدخال حاويات تحت أرضية في بعض المناطق الراقية والنقاط الحساسة، وحاويات ذات سعة كبيرة ومقاومة للتخريب في مناطق أخرى. هذه التجهيزات ليست مجرد “ديكور”، بل هي جزء من التخطيط الرقمي؛ حيث يتم دراسة معدل ملء الحاويات لتحديد مواعيد التفريغ المثالية، مما يمنع ظاهرة “الحاويات الفائضة” التي كانت تشوه المنظر العام وتجذب الحشرات.
غسل الشوارع كجزء من الروتين
لم تعد النظافة تقتصر على “الجمع” بل تعدته إلى “الغسل” و”الكنس الميكانيكي”، حيث أعاد الاعتماد على آليات متطورة لغسل الأرصفة والساحات، وبدعم من التتبع الرقمي لضمان شمولية العملية، للمدينة رونقها وأزال الطبقات المتراكمة من الأوساخ والدهون التي كانت تلتصق بالأرصفة، خاصة في الأسواق والمناطق التجارية.
أثر التحول على حياة المواطن اليومية
في نهاية المطاف، كل هذه الاستراتيجيات والتقنيات تهدف لخدمة غاية واحدة؛ المواطن البيضاوي. إن نجاح أي سياسة عمومية يُقاس بمدى ملامستها للواقع اليومي للسكان. وفي حالة الدار البيضاء، كان لهذا التحول أثر ملموس ومتعدد الأبعاد.
الصحة العامة والبيئة السليمة
التخلص السريع والفعال من النفايات يعني تلقائيا انخفاضا في انتشار الحشرات والقوارض، وتراجعا في الروائح الكريهة وانبعاثات غاز الميثان الناتجة عن تخمر الأزبال في الشوارع.
هذا التحسن يمس بشكل مباشر صحة المواطن، خاصة الأطفال وكبار السن، ويقلل من مخاطر الأمراض الجلدية والتنفسية المرتبطة بالتلوث.
الراحة النفسية والجمالية
هناك علاقة وطيدة بين نظافة المحيط والصحة النفسية للسكان. العيش في بيئة نظيفة يقلل من التوتر ويعزز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالمدينة. نظرية “النوافذ المحطمة” في علم الاجتماع تقول إن الفوضى تجذب الفوضى، والنظافة تفرض الاحترام. عندما يرى المواطن أرصفة نظيفة وحاويات مفرغة بانتظام، فإنه يميل تلقائيا للحفاظ على هذا النظام، مما يخلق حلقة إيجابية من السلوك الحضاري.
استعادة الفضاء العام
سابقا، كانت بعض الأرصفة والزوايا محتلة من قبل أكوام النفايات، مما يعيق حركة المشاة ويشوه المشهد. بفضل النظام الجديد، استعاد المواطن حقه في الرصيف، وأصبحت الفضاءات العامة أكثر قابلية للاستخدام والتنزه.
كما أن توقيت جمع النفايات (الذي أصبح ليليا في كثير من المناطق) قلل من الازدحام المروري الذي كانت تسببه شاحنات الأزبال خلال ساعات الذروة، مما حسن من انسيابية التنقل في المدينة.
تعزيز المشاركة المواطنة
وفرت التطبيقات الذكية وقنوات التواصل التي أتاحتها الشركات المفوضة وشركة التنمية المحلية نافذة للمواطن ليكون شريكا في العملية، حيث أصبح بإمكان المواطن الإبلاغ عن مشكلة وتلقي استجابة، مما عزز الثقة بين الساكنة والمسؤولين. لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للخدمة، بل “مُراقبا” وفاعلا، وهو تحول جوهري في العلاقة بين الإدارة والمجتمع.
تحديات ما تزال قائمة
رغم هذه الصورة الإيجابية والتقدم الكبير، لا يمكن القول إن المهمة انتهت. فالدار البيضاء مدينة تتوسع بسرعة مذهلة، وتحدي “عصارة النفايات” (الليكسيفيا) لا يزال يتطلب حلولا جذرية في المطارح النهائية (مثل التحديات المرتبطة بمطرح مديونة الجديد وتثمينه). كما أن السلوك المدني لبعض المواطنين (رمي الأزبال خارج الأوقات، تخريب الحاويات) لا يزال يشكل عقبة أمام الوصول إلى النظافة المثالية.
فالتحول من “جمع الأزبال” إلى “تثمين النفايات” هو الخطوة القادمة. فبينما نجحت المدينة في كسب رهان “نظافة الشوارع”، لا يزال رهان “الفرز من المصدر” و”التدوير” في بداياته، وهو المستقبل الحقيقي للمدن الذكية والمستدامة.
هندسة المستقبل
إن ما تشهده الدار البيضاء ليس مجرد عملية تنظيف، بل هو درس في “الإدارة الحضرية”. لقد أثبتت التجربة البيضاوية أن نظافة المدن الكبرى ليست قدرا محتوما، ولا مسألة حظ، بل هي علم قائم بذاته، يعتمد على البيانات، التخطيط الاستراتيجي، والرقابة الصارمة.
فالانتقال من رد الفعل العشوائي إلى الاستباق الممنهج، ومن المراقبة بالعين المجردة إلى التتبع عبر الأقمار الصناعية، أحدث فرقا جوهريا في جودة الحياة.
“الدار البيضاء” اليوم تقدم نموذجا (وإن كان لا يزال في طور الكمال) على أن الإرادة السياسية والإدارية عندما تلتقي مع التكنولوجيا والحكامة الجيدة، فإنها قادرة على تغيير وجه المدينة، وتحويل الشوارع من نقاط سوداء إلى شرايين حياة نظيفة تليق بقطب مالي دولي وبمواطن يستحق بيئة كريمة. النظافة، إذن، ليست صدفة.. إنها قرار، وهندسة، ومسار مستمر.
المصدر:
العمق