في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعيش مدينة القصر الكبير، لليوم الثاني على التوالي، على وقع واحدة من أصعب الأزمات المناخية في تاريخها الحديث، بعدما تسببت الفيضانات الناتجة عن ارتفاع منسوب وادي اللوكوس وامتلاء سد وادي المخازن في غمر عشرات الأحياء، وتشريد مئات الأسر، وإغراق نصف المجال الحضري تقريبا، وسط حالة استنفار قصوى وتعبئة شاملة لمختلف المتدخلين.
وبين منازل غارقة، وشوارع تحولت إلى أنهار، ومستشفى مركزي خرج عن الخدمة، وجدت ساكنة المدينة نفسها في مواجهة مباشرة مع كارثة طبيعية غير مسبوقة، فرضت عمليات إجلاء واسعة، ونزوحا جماعيا، واجتماعا حكوميا عاجلا، وتعليمات ملكية من أجل نصب خيام الجيش لإيواء النازحين.
تعليمات ملكية
في خضم هذه الأوضاع الاستثنائية، أعلن محمد السيمو، رئيس جماعة القصر الكبير والبرلماني عن المدينة، أن الملك محمد السادس أعطى تعليماته لنصب خيام تابعة للقوات المسلحة الملكية ابتداء من اليوم الجمعة، من أجل إيواء المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الفيضانات.
وأوضح السيمو، في تصريح إعلامي، أن هذه الخطوة تأتي في إطار الاستجابة السريعة لحاجيات الأسر المتضررة، التي وجدت نفسها دون مأوى، في انتظار استقرار الأوضاع وعودة الحياة إلى طبيعتها.
كما وجه المسؤول المحلي نداء عاجلا إلى سكان الأحياء المغمورة أو المهددة بالغرق، دعاهم فيه إلى الإخلاء الفوري حفاظا على أرواحهم، مؤكدا أن من لا يتوفر على مكان للإيواء يمكنه التوجه إلى دور الشباب، ودار الثقافة، والمؤسسات التعليمية المتواجدة بالمناطق المرتفعة.
وحذر رئيس الجماعة من أن الأيام المقبلة قد تشهد ارتفاعا أكبر في منسوب المياه، بسبب الواردات المنتظرة على سد وادي المخازن، ما يضاعف من خطورة الوضع.
إخلاء جماعي لـ13 حيا
وكانت خلية الأزمة التي يترأسها عامل إقليم العرائش قد أوصت، مساء أمس الخميس، بإخلاء 13 حيا بمدينة القصر الكبير بصفة استعجالية، بعد تسجيل ارتفاع مقلق في منسوب المياه.
ويتعلق الأمر بأحياء الديوان والمدينة العتيقة، الضحى، الشروق، سيدي الكامل، عزيب الرفاعي، خندق شويخ، محفر حزان، البوعناني، الأندلس، السعادة، الأمل، المرينة، وأولاد احمايد الهوتة.
كما أطلقت البرلمانية عن القصر الكبير، زينب السيمو نداء مباشرا إلى الساكنة عبر بث مباشر على “فيسبوك”، دعت فيه المواطنين إلى مغادرة منازلهم فورا، معتبرة أن البقاء داخل الطوابق العليا لا يشكل حلا، وقد يؤدي إلى محاصرة الأسر بالمياه.
معاينة ميدانية من قلب الأزمة
وفق ما عاينه مبعوث “العمق المغربي” إلى القصر الكبير، يونس الميموني، فإن الأحياء المتضررة تمتد على مسافة تناهز 5 كيلومترات، من مدخل المدينة في اتجاه العرائش إلى وسطها، مرجحا أن تكون حوالي 50 في المائة من الأحياء قد غمرتها المياه بدرجات متفاوتة.
وأوضح المراسل أن منسوب المياه لا يزال في ارتفاع بعدد من المناطق، رغم توقف التساقطات، وذلك بسبب استمرار تدفق مياه وادي اللوكوس الذي بلغ مستوى غير مسبوق.
وسجل المصدر ذاته أن السلطات اضطرت إلى قطع الكهرباء عن الإنارة العمومية بعدد من الأحياء المغمورة، تفاديا لأي مخاطر، في وقت تضررت فيه عشرات السيارات، ولا تزال عمليات سحبها متواصلة من وسط السيول.
قوارب وجرارات للإنقاذ
وتواصل عناصر الوقاية المدنية، مدعومة بالسلطات المحلية والأمن القوات المساعدة والإنعاش الوطني والهلال الأحمر وجمعيات من المجتمع المدني ومتطوعين، عمليات الإنقاذ والإجلاء باستعمال القوارب المطاطية.
كما تحولت الجرارات الفلاحية والشاحنات والعربات المجرورة بالأحصنة إلى وسائل أساسية لإجلاء السكان، في ظل غمر عدد كبير من الشوارع والمسالك.
غير أن أكبر تحد يواجه السلطات، حسب المعاينة الميدانية، يتمثل في رفض بعض العائلات مغادرة منازلها، رغم خطورة الوضع، وهو ما يعقد عمليات الإخلاء.
وفي جولة ميدانية، عاينت جريدة “العمق المغربي” قيام عدد من تجار القصر الكبير بتشييد جدران إسمنتية قصيرة، أمام محلاتهم التجارية، في محاولة لصد السيول وحماية ممتلكاتهم من الغرق، وهو الإجراء نفسه الذي اعتمدته بعض المؤسسات البنكية بالمدينة، في ظل مخاوف من تفاقم الأضرار المادية، فيما قام آخرون بوضع أكياس رملية.
إخلاء المستشفى المركزي
على المستوى الصحي، أشار مندوب وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بإقليم العرائش-القصر الكبير، في تصريح لـ“العمق المغربي”، إلى عدم تسجيل أي وفيات أو إصابات بسبب الفيضانات.
غير أن الوضع فرض إخلاء المستشفى المركزي بالكامل، بسبب غمره بالمياه، إلى جانب إخلاء المصحة الدولية المقابلة له، وفق المسؤول ذاته.
وأضاف أن عملية الإخلاء جرت بشكل منظم وسلس، حيث تم توزيع المرضى على 5 مراكز صحية أخرى داخل المدينة، مع ضمان استمرار التكفل بالحالات المستعجلة، بما فيها حالات الولادة، التي جرى تحويلها إلى أحد المراكز الصحية، مؤكدا أن الخدمات المقدمة حاليا تسير في ظروف جيدة.
الحكومة تدخل على الخط
وفي تفاعل رسمي مع تطورات الوضع بالقصر الكبير ومناطق شمال المملكة، أعلن مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، أن الحكومة قررت عقد اجتماع عاجل لمتابعة الأوضاع الناجمة عن الفيضانات والتساقطات المطرية الغزيرة.
وأوضح بايتاس، خلال الندوة الصحفية الأسبوعية التي أعقبت اجتماع مجلس الحكومة، الخميس، أن هذا الاجتماع سينعقد يوم غد الجمعة برئاسة وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وبمشاركة مختلف القطاعات الحكومية المعنية، من أجل اتخاذ التدابير اللازمة وتعبئة جميع الإمكانيات المتاحة لمواجهة الوضع القائم والتعامل معه بالسرعة والنجاعة المطلوبتين.
وأكد الناطق الرسمي باسم الحكومة أن السلطة التنفيذية تواكب عن كثب ما يجري ميدانيًا، في إطار الحرص على ضمان سلامة المواطنين، وضمان التدخل الفوري كلما دعت الضرورة إلى ذلك
كيف تفجرت المياه؟
تعود جذور هذه الأزمة غير المسبوقة إلى التساقطات المطرية الاستثنائية التي يعرفها حوض اللوكوس منذ أسابيع، والتي تجاوز معدلها التراكمي 600 ملم منذ شتنبر الماضي، ما أدى إلى امتلاء سد وادي المخازن بنسبة 100 في المائة.
وقبل تفاقم الوضع، كانت السلطات قد أعلنت حالة التأهب القصوى، وفعلت لجنة اليقظة برئاسة عامل الإقليم، مع اتخاذ إجراءات وقائية، من بينها إقامة حواجز رملية، وبرمجة طلقات مائية، وتنقية قنوات الصرف، وقطع مؤقت للكهرباء.
غير أن حجم الواردات المائية فاق قدرة هذه التدابير، لتتحول حالة الحذر إلى أزمة حقيقية فرضت إجلاء أحياء كاملة.
ورغم قساوة المشهد، برزت مظاهر قوية للتضامن بين الساكنة، حيث فتحت أسر منازلها لاستقبال المتضررين، وساهم متطوعون في تقديم المساعدات الغذائية واللوجستية.
كما تواصل السلطات تعبئة مواردها، في انتظار وصول خيام الجيش والمساعدات الإضافية، لتأمين ظروف إيواء لائقة للنازحين.
وتجد القصر الكبير نفسها اليوم أمام امتحان قاس، يجمع بين تحدي الطبيعة، وضغط البنية التحتية، ومحدودية الإمكانيات، في وقت يترقب فيه السكان تحسنا للأوضاع خلال الأيام المقبلة.
وبين الخوف من ارتفاع جديد لمنسوب المياه، والأمل في انفراج قريب، تظل المدينة معلقة على جهود الإنقاذ، والتدخلات الاستباقية، والتضامن المجتمعي، لتجاوز واحدة من أقسى المحطات في تاريخها.
المصدر:
العمق